فهرس الكتاب
والمشكلة الثانية هي مشكلة التمزق النفسي بسبب التناقض بين الإيمان والعلم، تحتل الازدواجية اللغوية في العربية جانبًا غير كبير من المشكلة اللغوية العربية المعاصرة، في حين أن الجانب الأكبر من المشكلة استفحال الشكوى من الطرائق القديمة في دراسة اللغة العربية الفصحى والتذمر الشديد منها (15) . ومايعنينا هنا هو مشكلة التمزق النفسي الذي يعاني منه الناشئة في المجتمع العربي المعاصر بسبب التناقض بين الإيمان والعلم. فالتلاميذ والطلاب يطلعون على نظريات العلم الحديث وقوانينه في المدارس والجامعات ويلقنون إلى جانب ذلك أحكام الشريعة، وتظهر المشكلة حين يقول لهم بعض المعلمين والأساتذة (لا يوجد تناقض بين الإيمان والعلم) . بينما يقول لهم فريق ثان (هناك تناقض بين الإيمان والعلم فلا تصدقوا ماينافي الشرع من العلم) . ويقول لهم فريق ثالث (خذوا بالعلم ولا تشغلوا بالكم بموافقته أو عدم موافقته للشرع) . وهكذا يبدأ التمزق النفسي عند الناشئة في المدرسة ثم الجامعة، ويتعمق هذا التمزق حين ينغمس الناشئة في متابعة الحوار الثقافي الدائر حول العلاقة بين (النقل) و (العقل) أو بين (التراث) و (المعاصرة) .
ونرى أن العودة إلى الرشدية في وقتنا الراهن تمكّن بنجاح من حل مشكلة التمزق النفسي المشار إليها. ولا نقصد بالرشدية ما نسب إلى ابن رشد من محاولة التوفيق بين الدين والفلسفة، بل نقصد في المقام الأول نظريته في المعرفة الإنسانية.
تنطلق نظرية المعرفة عند ابن رشد من تحديد واضح للعلاقة بين الذات والموضوع يتجلى في أن المعارف الحقيقية ليست مجرد صور ذهنية بل يقابلها أشياء في الواقع، أي أن مصدر المعرفة الإنسانية هو العالم الخارجي، ويعني ذلك أن المعرفة ليست عملية استعادة أفكار موجودة مسبقًا في غير عالمنا (في عالم غير مادي) . ويستتبع هذا تبني القول بأنه يمكن للإنسان معرفة العالم وقوانينه. هذه هي النزعة العقلانية الرشدية.