فهرس الكتاب
يتضح أن ابن رشد موضوعي في تقريره مسألة العلاقة بين الوعي والوجود (وهي المسألة الأساسية في الفلسفة) ، ويستمد مبادئ اليقين من بداهة وجود العالم.
فالعالم الخارجي موجود. وهذه حقيقة لا ريب فيها لأن الوجود يغمرنا من كل جانب ولا يستطيع أحد أن ينكر هذه الحقيقة إلا بضرب من الافتراضات الوهمية.
وفي ضوء هذا الفهم لنظرية المعرفة الرشدية سنبين رأينا فيما نسب إلى ابن رشد من محاولة التوفيق بين الدين والفلسفة:
ذكرنا أن الرأي السائد يقول باعتماد ابن رشد التوفيق بين الدين والفلسفة. وأشرنا إلى رأي. د.عابد الجابري القائل باعتماد ابن رشد الفصل بين الدين والفلسفة.
ونحن نرى أن ابن رشد لم يوفق بين الدين والفلسفة، كما أنه لم يفصل بينهما، بل انطلق من مقولة عدم التناقض بين ماجاء في القرآن والحكمة (التي هي الفلسفة أم العلوم) . وقد أكد ذلك في خاتمة كتابه"فصل المقال وتقرير مابين الشريعة والحكمة من الاتصال" (16) حين قال:".... فإن النفس مما تخلل هذه الشريعة من الأهواء الفاسدة والاعتقادات المحرفة في غاية الحزن والألم وبخاصة ماعرض لها من ذلك من قبل من ينسب نفسه إلى الحكمة، فإن الأذية من الصديق هي أشد من الأذية من العدو، أعني أن الحكمة هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة...".
وفي ضوء مقولة ابن رشد بعدم تناقض الشريعة والحكمة، يجب أن نفهم تأكيده التمسك بمنهج البرهان العلمي (الموضوعي) حيث قال:"وإذا تقرر أن الشرع قد أوجب النظر بالعقل في الموجودات واعتبارها وكأن الاعتبار ليس سيئًا أكثر من استنباط المجهول من المعلوم واستخراجه منه وهذا هو القياس أو بالقياس، فواجب أن تجعل نظرنا في الموجودات بالقياس العقلي. وبيّن أن هذا النحو من النظر الذي دعا إليه الشرع وحث عليه هو أتم أنواع القياس وهو المسمى برهانًا".