فهرس الكتاب
تتجلى هذه النزعة عنده بالعديد من الشواهد التي تنقل عنه، وبخاصة أنه لم يكن يصدق كل مايلقى إليه. يتحدث النظام عن التبخر وكيف يصبح مطرًا فيقول:"ثم تعود تلك الأمواهُ سيولًا تطلب الحدور (الحدور كرسول: مكان ينحدر فيه) ، وتطلب القرار، وتجري في أعماق الأرض، حتى تصير إلى ذلك الهواء، فليس يضيع من الماء شيء، ولا يبطل منه شيء. والأعيان قائمة، وكأنه منجنون (الدولاب يسقى عليها) غرف من بحر وصبَّ في جدول يفيض إلى ذلك النهر" (26) . وقوله:"لأمر ما حصر الهواءُ في جوفِ هذا الفلك. ولابد لكل محصورٍ من أن يكون تقلبه وضغطه على قدر الحصار، وكذلك الماء إذا اختنق." (27) . ألا يعني هذا أن الضغط الداخلي يعادلُ الضغط الخارجي؟
يعدد عبد القاهر البغدادي أكثر من عشرين فضيحة للنظام، منها الفضيحتان: العاشرة، وهي القول:"بانقسام كل جزء لا إلى نهاية"، والفضيحة الحادية عشرة:"القول بالطفرة وهي دعواه أن الجسم قد يكون في مكان ثم يصير منه إلى المكان الثالث أو العاشر منه من غير مرور بالأمكنة المتوسطة بينه وبين العاشر ومن غير أن يصير في الأول ومعادًا في العاشر" (28) .
كان النظام يقول بالكمون، ويعني هذا المبدأ:"أن الله خلق الناس والبهائم والحيوان والجماد والنبات في وقت واحد، وأنه لم يتقدم خلق آدم خلق ولده، ولا خلق الأمهات أولادهن، غير أن الله أكمن بعض الأشياء في بعض فالتقدّمُ والتأخرُ، إنما يقع في ظهور بين أماكنها دون خلقها واختراعها" (29) . ويورد الشهرستاني ماقاله الخياط في كتاب الانتصار، إلا أنّه يزيد عليه:"وإنّما أخذ هذه المقالة من أصحاب الكمون والظهور من الفلاسفة وأكثر ميله (النظّام) إلى تقرير مذاهب الطبيعيين منهم دون الإلهيين" (30) .