فهرس الكتاب
الليالي في العصر العثماني
وعلى النحو الذي كانت تقام فيه الزينات في الأربعينات، كانت الجدران والواجهات تغطى بالقماش والحرير في دمشق المملوكية، وتوقد المصابيح والسرج طوال الليل. وكان الأصدقاء يلتفون حولها يتسامرون. وقد استمرت هذه العادة حتى العصر العثماني. وكان الذي يقصّر في الزينة يتعرض للعقوبة، حتى إنّهم ضربوا تاجرًا في العصر العثماني لاتهامه بعدم الإكثار من الحرير والقماش واتّهامه بأنه لا يحب السلطان.
وكان النساء يبقين وحدهن في الليل بعيدًا عن أزواجهن الذين كانوا يضطرون للسهر طوال الليل في محلاتهم لإيقاد المصابيح. وقد يجتمع معهم بعض النسوة، فيزداد بذلك ضرر زوجاتهم من ناحيتين: بعدهم عنهن، وانشغالهم بغيرهن. (21) .
ولم تكن الأعياد الدينية وحدها، مناسبة لإقامة الزينات وإضاءة الأسواق والمحلات، فلم يكن أكثر من تلك المناسبات. وعلى سبيل المثال فإن دمشق زينت لأن"الغوري"سافر من القاهرة إلى الاسكندرية ورجع سالمًا (22) .
وقد يتصور أحدهم أن أسواق دمشق، في غير هذه الاحتفالات، كانت تغرق في ظلام الليل، ولكن هذا غير صحيح"فإن جميع هذه الأسواق كانت تنار في الليل، ولها جماعة يسمون"الضوئية"يسهرون على إيقاد المصابيح. وبعد إغلاق الحوانيت كان يطوف عليها رجال القلعة لحفظها وحراستها. (23) ."
احتفالات الشهور الفضيلة
وكانت ليالي دمشق، تتخذ طابعًا مختلفًا، وإيقاعًا خاصًا، في الأشهر الفضيلة، وهي بإجماع سواد الناس وطبقة العوام: رجب وشعبان ورمضان.
وهذه غير الأشهر الحرم: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب. وهذا الشهر الأخير وحده المشترك بين الأشهر الفضيلة وبين الأشهر الحرم. وكثير من الناس من يباشر صيامه من مستهل رجب. ويسمى هذا الشهر (رجب الفرد) لأنه وحده المنفصل عن موالاة الأشهر الحرم (24) ، إذ تأتي خلف بعضها: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وكانت معروفة في الجاهلية واحترمها الإسلام (25) .