فهرس الكتاب
ليالي رمضان عند"غوتييه"و"نيرفَال"
وإذ يهل شهر رمضان تبلغ الليالي ذروتها جمالًا وبهاءً وتعاطفًا ومحبة، بين الأهل والناس. ولا عجب فإن لهذا الشهر قدسيته وكرامته وروعته، عند المسلمين لافي دمشق وحسب، بل في مختلف العواصم الإسلامية. وبين يديّ نصّان لكاتبين فرنسيين، هما"جيرار دي نيرفال"و"تيوفيل غوتييه"يصفان ليالي رمضان في استانبول أو القسطنطينية أواسط القرن الماضي، فكأنّهما يصفان دمشق في الأربعينات.
يقول غوتييه:"كم هي جميلة ومكتظة أسواق المدينة في ليالي رمضان، فالتجار يبقون في متاجرهم حتى السحور: أما في معظم ساعات النهار، فإن المحلات تبقى مقفلة لسببين، أولهما أن أصحاب المحلات سهروا الليل، وهم مضطرون لأن يناموا في النهار. وثانيهما لأن كل الزبائن الذين يفترض فيهم أن يشتروا من هذه المتاجر، يغرقون في النوم معظم النهار، لأنهم يمضون ليلهم الرمضاني ساهرين."ويستطرد هذا الأديب الفرنسي الذي يكتب عن هذه العاصمة الإسلامية في مستهل النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فيقول:
"هكذا، فإن زيارة الأسواق في ليالي رمضان تعتبر متعة مابعدها متعة. فبقدر ماكنت أتقدم في السوق، كنت ألاحظ أن أعداد الناس ترتفع باستمرار، حتى وصلنا إلى مكان، خلنا فيه رواد السوق، وكأنهم قطعة بشرية واحدة لشدة تراصّها. والمحلات التجارية تشع بأضواء قوية،لا تبقى معها أي حاجة لإنارة الشوارع." (26) .
سبحات الضوء ترسم قباب المساجد
ويصف جيرار دي نيرفال ليل استانبول قبل تسع سنوات من زميله، أي عام 1843 مع قدوم أول أيام رمضان، فيقول:
"ومنذ أن غاصت الشمس وراء الأفق البنفسجي، سمعنا دويًا هائلًا. كانت تلك مدافع الميناء، تحيّي المناسبة. وكلما كان الظلام ينسدل رويدًا رويدًا، كانت سبحات أضواء ترسم قباب المساجد، وتنتصب المآذن فوق المباني حاملة خواتم نور، فيما ارتفعت أصوات المؤذنين معًا في صخب، كما أناشيد النصر.".