فهرس الكتاب

الصفحة 15986 من 23694

كان الدمشقيون، قبل وصول الكهرباء إلى المدينة في مطلع هذا القرن، -وكان كثير من البيوت محرومًا منها في الأربعينات- يحرصون كثيرًا على أن تشعشع الأضواء فيها، في كل مكان وبقعة في شهر رمضان، ولذلك فإنهم كانوا يتخذون الاستعدادات اللازمة في وقت مناسب"فتسبق شهر رمضان أعمال الاستكثار من سبل الإضاءة من المشاعل والقناديل والشمعدانات والثريات والمشكايات، وأعمال التنظيف، فضلًا عن تزويد هذه المساجدبالسجاد الذي غالبًا ما تسبقه أعمال الطلي أو الدهان للمساجد، تنزيهًا لبيوت الله من الظلمة، وأنسًا وإضاءة للمجتهدين والمقبلين على الصلوات والطاعات." (31) .

وإذا كانت ليالي رمضان كافة بما يتخللها من مسرات ومباهج، مما سيجيء حديثه، بهية، مؤنسة، ممتعة، مبهجة، فإن ليالي العَشْر الأخير منه تتميز عن سواها تمامًا. وماتزال في الذاكرة تلك الليالي الرائعة التي استمرت حتى أواخر العقد الخامس من هذا القرن.

المسحرون... ليلة القدر

وكان للمسحرين دور بارز في هذه الليالي يبلغ ذروته ليلة القدر، وهي ليلة السابع والعشرين من رمضان."فبعد الإفطار والانتهاء من جولة مابعد الإفطار، يتوافد المسحرون إلى مقهى السروجي بحي الشاغور -باستثناء مسحِّري الصالحية والشيخ محيي الدين والمهاجرين وركن الدين- ويتصدر الجمعَ شيخُ الكار والنقيب والشوّاش، والمسحرون من حولهم، ويمد في الوسط خوان مضاء بشموع تكافئ عدد مسحري دمشق، على تعدد مطافات التسحير فيها، وفي يد كل مسحر طبلته وأمامه فانوسه وسلَّته. وبعد أن يباركهم شيخ الكار ويشيد بعملهم ينشد:"

ياعين جودي بالدموع وودعي

شهرٌ به غفر الكريم ذنوبنا ... وبه استجاب الله كل دعانا...

...الخ. ... عشش جوّات أداني

ثم يشرعون جميعًا بإنشاد المدائح النبوية على نقرات الطبلة والدفوف والصنوج. وبعد ذلك يأتي دور كل مسحر ليدلي بدلوه، في ما يأتي على لسانه من المدائح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت