فهرس الكتاب
ويكون ذلك على سبيل التباري والمساجلة. ولعل من أشهر ماكانوا يتبارون فيه قصة النبي (ص) عندما تصدق لأعرابي بقميصه (32) .
ليالي الأطفال بعد الإفطار
كانت دمشق في الليالي الأولى من رمضان تعيش أوقاتًا جميلة، قل أن يجود الزمان بمثلها. وكان للمسحرين دور هام في هذه الليالي، سواء بُعَيْدَ الإفطار، أو عند السحر، إذ يبدؤون جولاتهم لإيقاظ النائمين. كان الأطفال، يَعْدون خلف المسحر،عقب الإفطار مباشرة، وهم يرددون وراءه:"يارمضان غيرت الطبيعة. السنّ صغير، والرقبة رفيعة"، ويبدو أن هذه العبارة كانت متداولة كثيرًا لدى الأطفال منذ سنوات بعيدة، ثم انتهت إليهم، على هذا النحو، ولابد أن للكبار دورًا في صوغها على هذا المنوال. وماتزال في الذاكرة عبارة أخرى كان المسحر إذ يسمعها يكفهر وجهه، وتبدو سيماء الغضب في وجهه، ذاك أنّه يعرف العبارات الأخرى التالية، وفيها استهانة به ومساس:
أبو طبلة، مرته -امرأته-حبلة- حبلى-
شوجابت؟ ماجابت شي- لم تلد شيئًا-
جابت جردون -جُرَذ- بيمشي...
في خيالي صورة مسحِّر حارتنا الشيخ بكري، وهو يرتدّ نحونا، نحن الأولاد، هاشًا علينا بعصاه التي ينقر بها الطبلة، مرغيًا مزبدًا، مهددًا متوعدًا، شاتمًا، لكنها شتائم مهذبة، خالية من أي كلمة نابية أو جارحة، إلا أنّه، بعد كرٍّ وفر بيننا وبينه، يعود إلى مصالحتنا وإرضائنا فلا نرضى إلا بأغنية"البرغوت"و"الضرة"، وهما أغنيتان متداولتان بين المسحرين جميعًا في مدينة دمشق، فلقد شهدت رمضان في إحدى السنوات، عند بعض أقربائي في الصالحية... فسمعت من المسحر بعد الإفطار الأغنيتين اللتين أوردهما منير كيال بالتفصيل: (33) .
ها البرغوت، ومعاني
مسكت البرغوت وفركته ... حسّبته مات وتركته
عنفص وجاب ولاد أخته.. الخ.. (34) .
أما الأغنية الثانية فتقول: ... على قلبي الدبلة
ها الضراير والربّة، ربّوا
من جورهم بعت الطبلة ... وصفيت حافي عريانْ (35)
عدة المسحر: الطبلة والفانوس والسلة