فهرس الكتاب
لقد أصبح معروفًا اليوم، لمؤرخي الحضارة، أن الطب في مصر والشام والعراق كان عند الفتح الإسلامي في أوج ازدهاره، فهو وريث الطب التقليدي الذي عرفه القدماء من المصريين والبابليين والكنعانيين والآراميين، وغيرهم من الشعوب التي انصهرت في بوتقة الشرق القديم، والتي أقامت حضارات كبرى في هذه البلاد، لقد تأثر الطب عند تلك الشعوب، بالطب اليوناني، الذي أتى به المقدونيون، كما تأثّر على نحو مباشر بمدرسة الطب الإسكندرية، التي حفظت كلّ تقاليد الإغريق الطبية، وهي التي أعادت الحياة إلى (الطب النظري) الإغريقي الذي خبا نوره في أواخر أيام البيزنطيين، وذلك حينما كتبت (جوامع الاسكندرانيين) .
لقد قدّر سكان مصر والشام، تقديرًا عاليًا، هذه (الجوامع) فصارت (منهجًا) للتدريس في مصر، كما ترجمت إلى السريانية على يد جرجيس الرأسعيني، فانتشر تأثيرها في المدارس السريانية في نصيبين وحران وجند يسابور.
لذلك فإنه من السهل أن نستنتج أن العرب الفاتحين في فجر الإسلام قد عرفوا الطب المصري والسرياني والفارسي في المدن الكبرى التي دخلوها، وإنهم أُعجبوا بهذا الطب، ووثقوا بالأطباء الممارسين له، واتخذوهم أطباء لهم. وأنهم -في مرحلة تالية- تعلّموا منهم (الطب العملي) ، كما عرفوا منهم أهمية (الطبّ النظري) الذي جاء من عند الاغريق.
ولذلك فقد سعى المسلمون - بعد أن استقرّ بهم الأمر- إلى معرفة هذا التراث الطبي النظري من مصادره اليونانية مباشرة. ولم يكن هذا بالأمر السهل، بسبب ندرة المخطوطات الطبية الاغريقية في العصر البيزنطي، إلاّ أن إنشاء (بيت الحكمة) ، في بغداد أيام المأمون، مكّن العرب من استقدام هذه الكتب من مكتبات بلاد الروم والاسكندرية، فاطّلعوا عليها، ثم ترجموها.
المدخل