فهرس الكتاب

الصفحة 16104 من 23694

ووفقًا لهذه النظرية فإن الطبيب يستطيع أن يفهم لماذا يتعرض بعض الناس لنوع معيّن من الأمراض، أكثر من بعضهم الآخر، بسبب المؤثرات الخارجية كالحرارة أو البرودة. ولماذا يرتبط ظهور بعض الأمراض ببعض فصول السنة، فثمة أمراض تكثر في الشتاء وأخرى في الصيف أو الربيع الخ.

النظرية الطبية على محكّ الخبرة:

إذا تأملنا هذه المقولات المبنيّة على الخبرة الطبية الطويلة، وعلى الملاحظة الدقيقة، نكتشف عظمة هذه الجهود التي قام بها الأطباء القدامى، ونفهم كيف أن المعرفة الطبية ما هي إلا حصيلة التجربة الفنية والممارسة المجهدة لهؤلاء الأطباء. ويتبيّن لنا كذلك أن هذه المعلومات الطبية ما هي إلا محصّلة لجهود أطباء ومفكرين وحكماء، وأناس أذكياء من كلّ الشعوب، عبر آلاف السنين.

وقد قام المفكرون بتفسير كلّ ظواهر الطبيعة -بما فيها الظاهرات الطبيّة- وفق المعتقدات الفلسفية السائدة في أيّامهم. أولسنا نفعل اليوم الشيء نفسه؟ صحيح أننا لا نستطيع اليوم أن نقبل بالتفسيرات القديمة، لكننا لا نستطيع تجاهل الملاحظات الصحيحة، وما أكثرها. ورب تفسير نقبله اليوم ونؤمن به، يصبح غير مقبول في المستقبل.

وبسبب دقة هذه الملاحظات الطبية، وبسبب غنى التجربة البشرية، وكذلك بسبب نجاعة المداواة، والتداخلات الطبية في كثير من الأحيان، فإن هذه (النظرية الطبية) ظلّت محترمة وسائدة -بوجه عام- منذ منتصف الألف الأوّل قبل الميلاد (12) ، وحتى نحو القرن الخامس عشر الميلادي.

لم يتمكن العلم من تجاوز هذه النظرية طوال المرحلتين الاغريقية والهلنستية (13) من التاريخ، وكذلك طوال المرحلة العربية، وظلّت هذه النظرية سائدة في أوروبا اللاتينية لفترة طويلة، إذ تجاوزت ما يسمى بعصر النهضة الأوروبي، ولم يُبْطِلْ هذه النظرية إبطالًا نهائيًا إلا (عصرُ التنوير) في القرن الماضي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت