لقد عرفت المسيحية أخطر الانقسامات المذهبية في هذه المرحلة من تاريخها. وكان أبطال هذه الانقسامات شخصيات دينية من الاسكندرية وانطاكية وغيرها من المدن العامرة بالثقافة والعلم في ذلك الوقت (31) .
وفي خضم المناقشات المذهبية شعر العلماء بحاجتهم أكثر من ذي قبل إلى المنطق الأرسطي، كما أدركوا أهمية إنشاء مدارس يتلقى الناشئة فيها مبادئ العلوم والرياضيات والفلسفة.
وقد ازداد عدد هذه المدارس وتطور بعضها فصار بمثابة (المعهد العالي) أو (الكلّية) وأهم هذه المدارس: مدرسة نصيبين، ومدرسة الرها (32) .
لقد أدّى اطلاع السريان على الفلسفة اليونانية إلى المزيد من الاهتمام بالطب اليوناني، فتطورت بعض المدارس الدينية إلى مدارس دينية طبية (33) ونشأت كذلك مدارس علمية طبية (34)
وفي الحقيقة فإن السريان هم ورثة الشرق القديم، لا من الناحية الجغرافية فحسب بل من الناحية الحضارية والعلمية. فقد امتد نفوذ الثقافة السريانية من الشام غربًا إلى العراق شرقًا، ووصل كذلك إلى فارس وإلى آسيا الصغرى وأرمينيا، وصارت السريانية لغة للتجارة والدبلوماسية في كلّ هذه البلدان، وتعدّتها إلى أواسط آسيا. وعلى ذلك فإن العلماء السريان استوعبوا الطب العملي القديم وجميع المؤثرات اليونانية التي جاءت في العصر الهلنستي. وفي المدارس الطبية السريانية جرى استيعاب الطب اليوناني النظري.
أما أهم الخطوات التي أنجزت في العهد السرياني فهي ترجمة (جوامع الاسكندرانيين) من اليونانية إلى السريانية. وقد قام بهذه الترجمة الطبيب والفيلسوف سرجيس الرأسعيني (35) ، الذي درس الطب في مدرسة الاسكندرية ثم عاد إلى مدينة رأس العين في الجزيرة الفراتية ليصبح رئيسًا للأطباء وهناك قام بنشاط كبير في حقل الترجمة، فنقل إلى السريانية بعض أشهر أعمال أرسطو وجالينوس وفرفوريوس.