وقد دخل سرجيس الرأسعيني التاريخ باعتباره أحد أبرز شخصيات القرن السادس الميلادي: كان فيلسوفًا مشائيًا، وطبيبًا ترك بصماته على تاريخ الطبّ. لقد حاول سرجيس التوفيق بين آراء أرسطو وآراء جالينوس وفتح بذلك الباب لكثير من المفكرين في العصر الإسلامي.
وظلّت ترجمات سرجيس لأعمال جالينوس موضع تقدير في العالم السرياني إلى أن جاء حنين بن اسحق وتمكن من تجاوزها (37) .
لقد ظهرت في المرحلة السريانية من تاريخ بلاد الشام مؤلفات طبية عديدة، صارت من أهم مصادر المعرفة الطبية في العصر الإسلامي. وأبرز هذه المؤلفات أعمال شليمون وشمعون ويوحنا بن سرابيون.. (38) .
وحينما ظهر الإسلام كانت بلاد الشام والعراق (وخاصة مدن الشمال والجزيرة: انطاكية، الرها، نصيبين، حرّان، آمد، راس العين) تتمتع بقدر كبير من الإطلاع على الطب القديم وخاصة قسمه النظري (اليوناني) .
أما التطور الهام الذي حصل في هذه المرحلة (قبل الإسلام) فهو في جند يسابور، التي حقّقت قدرًا كبيرًا من التطور الذاتي، فصار أسلوبها المتميز في (التعليم الطبي) الذي يؤكد أهمية أن يكون التعليم في المشفى. وبذلك ساهمت جند يسابور، في إيصال هذه الأفكار سريعًا إلى بغداد.
مصير الطب اليوناني
لقد أخذ الأطباء اليونانيون القدامى (الإغريق) قسطًا كبيرًا من معارفهم الطبية عن الشرق القديم، ويعترف مؤرخوهم بذلك. ثم حملوا بعد ذلك مشعل العلم فطوّروا نظريةً طبيةً ظلت قادرة على البقاء لعدة قرون. وكتب هؤلاء الطبّ بقسميه النظري والعملي، في مؤلفات عديدة أتيح لها الخلود.
لكن الإغريق لم يلبثوا أن فقدوا أهميتهم العسكرية (ومن ثم السياسية) وحينما قهرهم الرومان، فهل تمكن الرومان من أن يصبحوا خلفاء للإغريق في حقل العلوم الطبية؟