لقد عجز الرومان عن القيام بهذا الدور، فلا لغتهم حلّت محلّ اللغة اليونانية في التأليف، ولا هم تمكّنوا من نشر الطب اليوناني في أجزاء امبراطوريتهم الواسعة. وعلى ذلك فقد ظل الغرب الأوروبي متخلّفًا من ناحية المعرفة الطبية أو الممارسة السريرية.
والتفسير الوحيد المقبول، الذي يمكن أن يُعْطى لاستمرار ازدهار الطب في الأقطار الشرقية من هذه الامبراطورية، هو أن هذه الأقطار كانت وريثة العلم القديم والحضارة العريقة. أما غرب أوروبا فلم يكن يمتلك هذا الماضي، الذي يسمح له بالاستفادة مما أحضره الرومان معهم من الشرق.
وإذا حاولنا هنا أن ندرس مثالًا واحدًا، هو شبه جزيرة إيبريا (إسبانيا حاليًا) قبيل الفتح الإسلامي، فإنّ التاريخ لا يحدّثنا عن وجود مستوى طبي متميز في تلك البلاد، في مرحلة ما قبل الإسلام. صحيح أن هذه البلاد تميزت عن غيرها من أقطار أوروبا الغربية بوجود علاقات ثقافية وحضارية قديمة مع الشرق إلاّ أن تأثير هذه العلاقات على مستوى الممارسة الطبية لم يكن كبيرًا على ما يبدو. ولتفسير ذلك يكفي أن نتذكر أن التطور الهام الذي حصل للطب في الشرق كان في العصر (السرياني- القبطي) ، أي بعد أن انقطعت العلاقات بين الشرق وايبريا، بسبب تدمير قرطاجة وبروز روما كعامل حاسم يحول دون استمرار هذه العلاقات.
لقد جاء الاسكندر إلى الشرق (وكان قصده ادخال الثقافة الهلينية) (39) إليه، والذي حدث هو (إن الهلينية نفسها قد أخذت من الشرق ما أعطاها صبغة خاصّة) (39) .