فما أن جاء الإسلام حتى رفع مكانة العمل والعمال والصناع بوجه عام، وشيئًا فشيئًا بدأت الحرف تلقى القبول وينخرط فيها العربي كغيره، وتبدأ منذ القرن الثالث الهجري والتاسع الميلادي. بدؤوا يقبلون أسماء وألقابًا تدل على الصنعة. وغدونا، نسمع، ونرى، ونجد أحمد الحداد وجعفر البقال وسعد الغزّال، وتأكد هذا فعلًا خصوصًا منذ بداية العاشر الميلادي. ولانستغرب أن يأنف العربي من بعض الصناعات ويعدّها غير لائقة لاستعمالها بعض المواد غير النظيفة كالدباغة مثلًا، كما عدّوا الصباغة مخالفة لقواعد الدين، ولهذا كان الصيارفة، والصباغون من اليهود في معظم مناطق الدولة الإسلامية، خصوصًا في بلاد الشام (8) . لكن التوسع الذي حدث بعد انتشار العرب المسلمين بين الموالي وأهالي البلاد المفتوحة، وعمليات الاختلاف والتمازج التي تمت بين الأقوام المختلفة التي انضوت تحت راية الإسلام أدى إلى عمل الجميع على الحفاظ على التراث الحضاري القديم في الميادين المختلفة، كما ساهم العرب وغيرهم في تطوير الصناعة الحرفية.
ثالثًا- علاقات السلطات العربية الإسلامية بالحرفيين:
قامت السلطات العربية الإسلامية بواجباتها تجاه الحرفيين، وكفلت لعمالها من أرباب الحرف والصناعات حرية واسعة في ممارسة أعمالهم، ولم تتدخل فيها إلا على نحو محدود، وفي الصناعات التي كان يتطلب قيامها الحصول على إذن خاص مثل إنشاء حمامات، وصنع الأسلحة وسك النقود، وتركيب الأدوية، والعمل في دور الطراز، وكل ذلك يعود إلى أسباب تتعلق بالأمن الجماعي، والمصلحة العامة (9) .