فهرس الكتاب
ودراسة هذه الأنماط من المعجمات توضح مناهج كل منها، وتكشف عن التطور الذي رافق البحث عن المنهج المُيّسر، وتُبيّن ما حقّقه كلٌّ منها للغة العربية وأصحابها من فائدة ما زالت تُقطَف ثمارها حتى اليوم.
آ-المعجمات التي رَتَّبت أصول الألفاظ بحسب مخارج الحروف:
يعود الفضل في هذا النمط من المعجمات إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي (170هـ) ، لأن من المحقق أنه كان أسبق علماء العربية إلى وضع منهج لاستيعاب اللغة كلها في كتاب واحد، والمعجم المنسوب إلى الخليل هو كتاب"العَيْن" (9) .
وأوّل ما تنبّه عليه الخليل أن ضابط الألفاظ هو الحروف التي تتألف منها، ولذلك بَنَى كتابه على الحروف التي تتألف منها الألفاظ، وهذه البادرة هي التي أفادت منها المعجمات العربية كلها فيما بعد.
ولم يأخذ الخليل بترتيب الأصول حسب الترتيب الهجائي (أ، ب، ت، ث..) لأنه أدرك أن الألف حرف علة لا يبقى في الكلمة على حال واحدة، وإنما يكثر تغيُّره، وهو يريد أن يبتدئ بحرف لا يعتريه التغيّر في بنية الكلمة،"فلمّا فاته أول الحروف، كره أن يجعل الثاني أوّلًا وهو الباء إلا بحجة" (10) ، وحين تخلّى عن الترتيب الهجائي، تدّبر ترتيبًا آخر، واهتدى بعقليته الرياضية واللغوية إلى مخارج الحروف، فرتب الحروف بحسب مخارجها مبتدئًا بأقصاها في الحلق، ثم تدرج بعد ذلك إلى الأقرب فالأقل قربًا من مخرج الحرف من الحلق، فرأى أن العَيْن أقصاها وأدخلها في الحلق، فبدأ كتابه بها وسماه باسمها. وإذا كانت الهاء أعمق مخرجًا في الحلق من العين، فقد اعتذر الخليل لذلك بأن الهاء مهموسة خفيفة لا صوت لها، ثم ختم الكتاب بحروف العلة لأنها لا تستقر على حال، وإنما يعتريها تبدل كثير.