فهرس الكتاب
فابن دريد في الجمهرة سار بمنهج الخليل نحو التبسيط، إلاّ أنه لم يقطع شوطًا بعيدًا في ذلك، ففي مقدمته أشار إلى من تقدّمه، ثم ذكر الخليل مُتلطّفًا، فقال:"وقد ألّف أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفرهودي رضوان الله عليه كتاب العين، فأتعب من تصدى لغايته، وعَنّى من سما إلى نهايته، فالمنصف له بالغلب معترف، والمعاند متكلف، وكلُّ ما بعده له تَبَعٌ، أقرّ بذلك أم جحدَ. ولكنه رحمه الله ألف كتابه مُشكِلًا لثقوب فهمه وذكاء فطنته، وحدّة أذهان أهل عصره" (13) .
فهو يعترف بالفضل والسّبْق للخليل بن أحمد، ويشير إلى احتذاء منهجه، ولكنه يتلطف في ذكر ما في الكتاب من إشكال، يسنده إلى ذكاء الخليل وحدة أذهان تلامذته، وكأنه يشير بذلك الإشكال إلى تصنيف"العين"بحسب مخارج الحروف، ولهذا يقول في مقدمة الجمهرة أيضًا:"وأملينا هذا الكتاب.. فسهّلْنا وعره.. وأجريناه على تأليف الحروف المعجمة، إذ كانت بالقلوب أعْبَق (14) ، وفي الأسماع أنفذ، وكان علم العامة بها كعلم الخاصة، وطالبها من هذه الجهة بعيدًا من الحيرة، مُشْفيًا (15) على المراد.." (16) .
فابن دريد تخلى عن التصنيف بحسب مخارج الحروف، واتخذ منهجًا أسهل في رأيه، وهو التصنيف بحسب الترتيب الهجائي، ولا شك أن هذا يمثل خطوة هامة من التطور نحو التبسيط في تأليف المعجمات، ولا سيما أنه زاد من ذلك في مراعاته مبدئيًا أوائل الأصول لا أواخرها، ولكن ابن دريد أبقى على مظاهر التعقيد الأخرى التي كانت في منهج الخليل إذ احتفظ بما كان عند الخليل من تقسيم ألفاظ اللغة إلى أبواب الثنائي والثلاثي والرباعي.. الخ، واحتفظ أيضًا بتقليب الأصل الواحد على وجوهه المختلفة حسب الاشتقاق الكبير، واتفق مع الخليل أيضًا بأنه لا يذكر بعد الحرف إلاّ الحرف الذي يليه حتى لا يقع تكرار في تصنيف الألفاظ.