فهرس الكتاب
وبذلك أبقى ابن دريد على أمور جوهرية هامة في منهج الخليل، ولا سيما أنه لم يقف في تقسيم الكتاب على الثنائي والثلاثي والرباعي وما فوق الرباعي فقط، وإنما جعل يقسم كلاّ منها إلى أبواب متشعبة أو متداخلة أو مضطربة أحيانًا (17) ، مما يشكل على غير المتمرس الاهتداء إلى موضع ضالته من كلمة يبحث عن معناها أو مبناها، وهذا يعني أن كتاب الجمهرة سار شوطًا نحو التبسيط في منهج التأليف، ولكن الأمر ما يزال بحاجة إلى جهود أخرى من علماء اللغة بحثًا عن طور آخر يزيل شيئًا من معالم التعقيد في المناهج السابقة.
2-مجمل اللغة، ومقاييس اللغة، لابن فارس (395هـ) :
وكان لابن فارس أن يضيف تطويرًا آخر يجعل منهج التصنيف أكثر سهولة ويسرًا في معجميه المجمل والمقاييس، والمجمل كتاب مختصر، أما المقاييس فأكثر اتساعًا، وابن فارس صنف الكتابين على أسس واحدة (18) ، وكانت غايته منهما هي تبسيط المنهج الذي سار عليه من تقدمه في هذا المضمار، ولهذا نراه يخاطب قارئه في مقدمة المجمل فيقول:"فإنك لما أعلمتني رغبتك في الأدب، ومحبتك لعرفان كلام العرب، وأنك شامَمْتَ الأصول الكبار، فراعك ما أبصْرتَهَ من بُعْد تناولها، وكثرة أبوابها وتشعب سبلها، وخشيتَ أن يلْفِتَكَ ذلك عن مرادك، وسألتني جَمْعَ كتاب يُذلِّل لك صعبه، ويسهل عليك وعره، أنشأتُ كتابي هذا.." (19) .
وواضح أن ابن فارس يأخذ على من تقدّمه صعوبة طرائقهم وكثرة الأبواب وتشعبها، ولهذا أراد في كتابيه أن يتجه إلى منهج يمتاز بضم ما كان يتفرق في أبواب كثيرة متشعبة، وتصنيف أصول الألفاظ على نحو أيسر ترتيبًا، وأسهل متناولًا.