فهرس الكتاب
على أن هذا المنهج الذي أراد التسهيل وحقق ما أراد، لم ينج من بعض رواسب المناهج السابقة، إذ بقي ابن فارس لا يذكر بعد الحرف إلاّ الحرف الذي يليه في الترتيب الهجائي، فإذا انتهى إلى آخر الحروف عاد إلى ما أسقطه من الأصول، ومثال ذلك ما أورده في باب"الباء والقاف وما يثلثهما"في المجمل، فهو يبدأ بـ"بقل، بقم، بقي"، وذلك لأن اللام تأتي مباشرة بعد القاف، وبعد أن انتهى إلى"بقي"عاد فذكر الأصول التي تقع حروفها قبل اللام فذكر"بقر، بقع" (22) لأن الراء والعين قبل اللام في الترتيب الهجائي.
ووقع منهج ابن فارس في خلل آخر، إذ كان يُنْهي كلَّ باب بالألفاظ التي تقع في كلام العرب على أكثر من ثلاثة أحرف، ولم يرتب هذه الألفاظ على نسق معين، وإنما كانت تُرْصَف دون أي ترتيب، وربما كانت قلتها هي التي صرفت ابن فارس عن مراعاة ترتيبها على نسق ما تقدمها في المضعف والثلاثي، ومع ذلك فهي سمة تعوق التيسير الذي أراده ولو كانت إعاقة يسيرة.
وبذلك ندرك أن ابن فارس قد سار فعلًا بتطوير منهج المعجمات إلى طور هام من التبسيط، ولكنه مع ذلك بقيت لديه رواسب طفيفة كانت تحتاج إلى من يحاول التخلص منها في معجمات أخرى، ليكون المنهج خِلْوًا من كل تعقيد.
3-أساس البلاغة للزمخشري (538هـ) :
وكان ذلك على يد الزمخشري في كتابه أساس البلاغة، إذ أشار في مقدمته إلى ما قصده من تبسيط، فقال:"وقد رُتِّب الكتاب على أشهر ترتيب مُتداوَلًا، وأسهله مُتناوَلًا، يهجم فيه الطالب على طلبته موضوعة على طرف الثُّمام وحبل الذراع (23) ، من غير أن يحتاج في التنقير عنها إلى الإيجاف والإيضاع، (24) وإلى النظر فيما لا يوصل إليه إلاّ بإعمال الفكر إليه، وفيما دَقَّق النظر فيه الخليل وسيبويه" (25) .