يقضي المنهج التاريخي العلمي الذي نتمسك به باعتبار اللغة ظاهرة اجتماعية ترتبط بالتفكير منذ بداية نشأتها، ولم تنشأ اللغة مكتملة دفعة واحدة، كما لم يكتمل التفكير دفعة واحدة، وتم اكتماله بالانتقال من المشخص المحسوس إلى المجرد العام. لذا فإن اللغة قد نشأ أصلها وتشكل منه بالتدرج نظام لغوي مكتمل، على نحو مواز لنشأة التفكير الإنساني وتشكّل نظامه واكتماله. وعليه فإن الصيغة الشخصية المصرفة للفعل في الإخبار (التي تفيد الإسناد والزمن) أكثر تشخيصًا من صيغة المصدر (التي لا تفيد الإسناد والزمن، بل تفيد معنى الحدث مجردًا عن فاعله وزمانه) . ومن ثَم فإن الصيغة الشخصية المصرفة للفعل في الزمن الماضي أسبق في الظهور من المصدر.
ويسعى من يقولون بتقدم المصدر على الفعل إلى عدم الإقرار بأن نظام المعجم العربي يبنى على أساس الانطلاق من الفعل. فيقولون إن نظام المعجم العربي يقوم على الرجوع إلى المادة الأصلية أو الحروف الثلاثة الأصلية. ويزعمون أن تلك المادة الأصلية ليست صيغة الفعل الماضي نفسها للشخص الثالث المفرد المذكر، وإنما هي مادة مجردة يتم الحصول عليها بالاستنباط الصرفي الذي يحدده الاشتقاق الصغير، وأن الأصل في الاشتقاق هو المصدر.
كتب الأستاذ زكي الأرسوزي مايلي:"إن الصوت يستدعي إليه الانتباه ويبعث في الوجدان معنى معًا. فإذا كان الذهن العربي قد صنع أول ما صنع الأفعال بالشدة أو بالتكرار (نحو خرّ الماء خريرًا، أو خرخر) ثم اشتق الأسماء والمصادر من الأفعال، فإن هذا لا يعني أن الفعل يتقدم على الحدس المعبر عنه بالمصدر إلا من حيث الظهور. أما من حيث الحقيقة فإن الحدس يتقدم على الفعل، لأن الفعل ذاته ليس غير الحدس وقد انتشر في الزمان عندما تبناه الوجدان. ووجهة النظر هذه تحل المشكلة التي دار حولها الخلاف في القرون الوسطى، مشكلة التقدم بين المصدر والفعل (9) ."