والقيمة العلمية في تخير مثل هذه الأبنية اللغوية تنصرف إلى بيان نشأة المعنى اللغوي ومجال استعماله أو دلالته العامة في تشعبها مما يسميه المحدثون من اللغويين الحقل الدلالي Semantic Field فأصل كلام العرب في استعمال صيغة (فَعَالِ) للأمر، عند حاجتهم إلى توكيد الكلام وتقوية معناه، وتثبيته في نفس السامع، وهذا هو السر في أن أكثر ما يجيء منه يكون مكررًا، كقول الشاعر:
حَذَارِ من أرماحنا حَذَارِ!
وقول الآخر:
تراكِها من إبل تراكِها
وذلك عند شدة الحاجة إلى هذا الفعل. (30) ويستعمل هذا البناء في النداء والتهديد والتحذير والزجر والشتم والمبالغة في الوصف أو الدلالة على غلبته على الشيء وما إلى ذلك من المعاني التي تشتد الحاجة إلى توكيد الكلام فيها. (31) .
ولمحقق كتاب"ما بنته العرب على فعالِ"في مقدمته حديث وافٍ في تعليل هذا البناء ومجيئه اسمًا للفعل، ومعدولًا من صفة المؤنث، ومعدولًا من مصدر مؤنث معرفة، واسمًا علمًا لامرأة أو لشيء آخر مؤنث. وغير خفي أنّ مدار ذلك كله صيغة"فَعَال"في وزنها الصرفي الثابت، ودلالتها اللغوية المتحوِّلة، مع محاولة إحصاء لعدد هذه الصيغ وتصنيف دلالاتها بنوع من الفلسفة اللغوية التي تكاد تبدو ترفًا علميًا أكثر منه نهجًا تعليميًا، ولكن ما يخلص إليه القارئ هو ضبط نطق هذه الصيغة في لغة العرب، وتعليل بنائها، وحصر ما تنصرف إليه، أو تقتصر عليه من دلالات أو مسميات، وفي هذا تقنين للغة بفرز أبنيتها في قوالب بأعيانها، وتصنيفها في أوعية خاصة سموها المعجمات، أو أخضعوها لمنهجية صناعة المعجمات، مع وضوح ما بينهما من اختلاف في التفصيلات.