كان وكد الباحث في الكتاب الأول أن يؤكد تبعية بل عبودية الشعر الأندلسي للشعر المشرقي، وانحصار التجديد في الموشحات والأزجال؛ فضلًا عن بعض الأفكار الرومانسية كجمال الأندلس وترفها وكأنها مجرد روضة صغيرة، يقول:"لعل أهم مايميز الأندلس ترفها ونعيمها ووصف شعرائها لطبيعتها وحسن مناظرها فقد ذهبوا يتغنون بمشاهدها ومواطن الجمال والفتنة فيها ويشيدون بها أيما إشادة" (21) .
أما المبالغة الشديدة في وصف الشعر الأندلسي بالتقليد الأعمى للمشرق وتكرير ذلك مرارًا فلا يشابهه في ذلك أحد من الدارسين من هذا قوله:"الشعر في الأندلس: رأينا الأندلس تؤسس حياتها العقلية والأدبية على أسس مشرقية وجعلها ذلك تعيش في فنها وشعرها داخل الإطار المشرقي العام إذ كانت الفكرة الأساسية عند من يريد أن يكتب شعرًا أن يكون شعره على نمط الشعر عند المشارقة من القدماء أو العباسيين ومعنى ذلك أن الشاعر الأندلسي لم يحاول أن يُخضع الشعر العربي لشخصيته بل رأيناه هويخضع له، فهو يخضع لموضوعاته المعروفة في المشرق كما يخضع لأفكاره ومعانيه وأخيلته وأساليبه" (22) ، أما سبب ذلك فلأن"مثل الأندلسيين في الشعر هي نفس مثل المشارقة" (23) .
يشمل هذا التقليد كل جوانب الحياة والشعر حتى شعر الطبيعة- أعظم ما لديهم- يقول:"فقد كانت الكتلة الأندلسية تنساق نحو تقليد المشرق بكل مافيه، وحتى شعر الطبيعة عندهم -لم يأتوا فيه بجديد سوى الكثرة، أما بعد ذلك فصورته كله بما فيها من أفكار وأخيلة وأساليب هي الصورة المشرقية... وما أراني أبعد إذا قلت إن الأندلس كانت تستمد نهضتها وحياتها من بغداد شأنها في ذلك شأن الأقاليم الأخرى....وإنها غرقت إلى آذانها في الثقافة العربية العامة التي نهضت بها بغداد... وإن الإنسان ليخيل إليه أن الأندلس كانت تقلد المشرق في جميع جوانب الحياة... إن الأندلسيين كانوا يعيشون على تقليد أهل المشرق" (24) .