ويقول الإدريسي إن هذا المنجم كان يخدمه أكثر من ألف عامل، فقومٌ للنزول فيه وقطع الحجر، وقومٌ لنقل الحطب وحرق الفلز، وقوم لصنع أواني سبك الزئبق وتصعيده، وقوم لبناء الأفران والحرق. ويذكر الإدريسي أنه رأى ذلك المنجم، وأخبره العمال أن عمقه من وجه الأرض إلى أسفله يبلغ أكثر من (250) قامة.
ثم انتقل إلى جزيرة سردينية فقال إنها كبيرة القطر كثيرة الجبال قليلة المياه. وأهلها في الأصل روم أفارقة متبربرون ومتوحشون. وفيها معادن الفضة الجيدة، ومنها تخرج إلى كثير من بلاد الروم.
وحينما زار الإدريسي صقلية، وصف بالتفصيل أهم معالمها، وذكر أماكن وجود مناجم الحديد والذهب بالقرب من مدينة مسيني، ففي الجبل المجاور لها يوجد معدن الحديد، وعلى بعد مرحلة منها منجم للذهب. وقال عن جزيرة كريت إن فيها معدن الذهب أيضًا، ولكن لم يعين مكانه ولاصفاته وكميته. ولما وصل إلى جزيرة قبرص وصف أرضها وأشهر مدنها، وقال أن فيها معادن الزاج المنسوب إليها لكنه لم يتكلم على طريقة تحضير النحاس فيها.
ثم انتقل الإدريسي إلى الساحل السوري فعدد مدنه المشهورة وهي طرابلس الشام وجبلة وانطرسوس وبلنياس وحصن المرقب واللاذقية. وعين مسافات بُعد بعضها عن بعض، لكنه لم يذكر شيئًا عن صناعاتها المعدنية. وتابع طريقه إلى جزيرة ابن عمر ومنها إلى أرمينية، حيث يوجد قرية عامرة تدعى التل، وهي على نهر سريط، وعلى بعد مرحلة من جبل جوغان، وهناك منجم حديد جيد يستخرج منه الكثير ويحمل إلى الآفاق. وحينما وصل الإدريسي بكلامه إلى مدن العراق ذكر أن في القادسية يصنع الزجاج، وفي جبل ماردين يوجد جوهر الزجاج الجيد.
وتكلم بعد ذلك على بلاد خراسان، وكانت مدينة نوقان دار الإمارة، وبها قبر علي بن موسى الرضا رضي الله عنه. وإلى جانبها جبل منه يقطع البرام لسائر البلاد، وفيه معادن الفضة والنحاس والحديد. ويوجد بها من أحجار الفيروزج والخماهن والدهنج والبلور الشيء الكثير.