فهرس الكتاب
فما مُخْدِرٌ وَرْدٌ بِخَفَّانَ زَارُهُ ... إلى القِرْنِ زَجْرَ الزّاجرينَ توَّرَدا
بأمضى من الحجَّاجِ في الحرب مُقْدِمًا ... إذا بعضُهُمْ هاب الخِيَاضَ فعرَّدا (39)
فأسد جرير من أسد خفّان) وزئيره فيه زجر لقرنه، ثم قارن الشاعر في القفل بين طرفي التشبيه، المشبه به الأسد)، والمشبه الحجاج)، وخلص إلى أنّ الحجاج في مضائه وإقدامه زمن الحرب أمضى من الأسد في زئيره، رابطًا وجه الشبه بشرط مفاده: إذا ما تقاعس الخائفون وفرّ المذعورون.
وبعد فإن حديث الشاعر الأموي عن الحيوان الذي ذكرنا في مجال التشبيه الدائري يكاد يلتقي في بوتقة واحدة، فجلّ الشعراء في حديثهم عنها، توخَّوًْا أن يتوافر للطرف الثاني المشبه به) المكان والزمان، بينما عملوا على أن يتوافر للطرف الأول المشبه) التفوق على الطرف الثاني، في مجالات كثيرة كأن يكون في مجال جمال العيون، وفي حسن القول والحديث، وفي بهاء الوجه وإشراقه، وفي تتيّم المحبوب، كما حرصوا أيضًا أن يتوافر للطرف الأول المشبه) الزمان، كأن يكون ليلًا، أو عشية، أو يوم الرحيل، أو غداة، وقلّما عملوا على توافر المكان للطرف الأول، إلاّ مرة واحدة، إذْ أورد عمر بن أبي ربيعة لفظ الغميم) في شعره (40) .
والمتأمل في الأمثلة التي قدمناها في موضوع الحيوان، يجد أنّها جاءت جميعًا في مجال الغزل باستثناء مثال واحد جاء في مجال المدح إبّان المقارنة بين الحجاج والأسد، فالممدوح أشدّ مضاءً وإقدامًا من الأسد.
والشاعر الأموي فيما ذهب إليه في حديثه عن صور الحيوان يسير في فلك الشاعر الجاهلي، ويقتفي أثره، ويترسم خطاه، وهذا يدعم ما قلناه في الصفحة الأولى من صفحات البحث: إنّ الشعر الأموي امتداد للشعر الجاهلي في فنيته وموضوعاته، فقد صنع الشاعر الجاهلي الشيء نفسه، إذ وفّر المكان والزمان للمشبه به، ووفّر التفوق الجمالي للمشبه (41) .