فهرس الكتاب
ولم يكن ذنبي إلاّ أدبي ... لا عاش إلاّ عيشتي مؤدبي""
وفي الشرح يقول: لا عاش مؤدبي عيشة من العيشات إلاّ عيشة مثل عيشتي وذلك لأن تأديبه هو الذي أبرز قذالي للصفاع، فكأن الجزّار قال على لساني لما طلع على شأني:
والأرض قد ثقلت عليها وطأتي ... إذ عمّها الادبار والإقبال
حّتام أمسحها فلولا أن لي ... عينين قالْ الناس ذا دجال
ولقد رمى القاضي عبد الوهاب عن قوس حالي، وأصاب، لما قال يشكو تشتت الحال:
أطال بين الديار ترحالي ... قصور حالي وطول آمالي
كأنني فكرة الموسوس ما ... تبقى مدى لحظة على حال
ثم يقول بعد عودة الوعي والفهم الصحيح إليه من بعد طول الشكوى وتذمر من الدهر وتقلباته: وقد كنت قدْما أقضي العجب من شغف الدهر بتقديم الجهال الأراذل، وتأخير أهل الكمال الأفاضل، مثلما قال القائل:...
ولم أقف على سرّ تلك القضية.. إلى أن عثرت على سبب ذلك عثورًا لا عثرة يطلب منها الإقالة في قول من قال:..
فصرت كأني انشطت من عقال، أو شفيت من داء عضال، وأنشدت قول من قال:
رضينا قسمة الرزاق فينا ... لنا علم وللجهال مال
فان المال يفنى عن قريب ... وإن العلم باق لا يزال (52)
وفي أبيات رائعة يدعو فيها البيتوشي على نفسه، مصورًا نفسيته في مرحلة المراهقة:"وقلت في أيام التصابي وغلوا"شبابي:
ليَ عين أزاحني اللّه منها ... وفؤاد عدمته من فؤاد
تلك تغري بي الوشاة وهذا ... في مطاوي الحشا كجمر الرّماد (53)
وقال في موضع آخر:"وقد غنّى كثير في هذا الوادي، مع تباين مراده ومرادى" (54) ، وقال في منظومته:
"بما جَنَتْ عيني كبدي احترقت ... ومن خطيئات جَنَتْها أغرقت)"
أي احترقت كبدي بسبب الذي جنته عيني من النظر إلى الوجوه الحسان، وأَغرقت فيَ بحر الدموع ومن خطيئات جنتها..، وقلت:
يا مولعا بهوى الأوتار والنّغمِ ... وهائما بجباه الغيد واللّممِِ
مسرّة تنتج الأحزان عن كثبَ ... لا خير في شبع يفضي إلى التخم" (55) "