فهرس الكتاب
-لقد عرضنا في حديثنا عن هذا الرجل الفذ إلى منبته في الزمان والمكان، وسيرورته خلال حياته الحافلة بالأحداث والأسفار والتقلبات والإنجازات، وذكرنا المراحل المختلفة التي مرّ بها أو مرّت به، فوجدناه في الأحوال جميعها راجح العقل، ثابت العزم، واثقًا من نفسه، يعرف هدفه ويسعى لتحقيقه بلا كلل لا يقعده عناء أو مشقة أو جهالة حاكم غاشم، حاملًا دائمًا وأبدًا راية الوطن ومشعل العلم.
ولعل من الصواب أن نقترب منه أكثر فأكثر، فنتعرف طباعه وصفاته الشخصية وصلته بأسرته وبمن حوله، لنصل بعد ذلك إلى الحديث عن المقدار الهائل من المترجمات والمؤلفات التي أنجزها خلال نصف قرن من الجهاد والدأب في العمل.
8-طباع رفاعة وصفاته:
يقول تلميذه وكاتب سيرته صالح مجدي في الكتاب الذي وضعه عنه:"حلية الزمن بمناقب خادم الوطن": إنه كان قصير القامة، عظيم الهامة، واسع الجبين، متناسب الأعضاء، أسمر اللون، ثابت الكون، يلثغ بالراء.."وقال:"..كان فيه زيادة كرم وسماحة، وكان كثير التواضع، جَمّ الأدب، محبًا للخير، وكان كلما ارتقى إلى أسمى المناصب وجلس على أعلى المراتب ازداد تواضعه للرفيع والوضيع، وتضاعف سعيه في قضاء حوائج الجميع، ولم يغتر بزينة الدنيا، وزخرفها، وكان حميد السيرة، حسن السريرة.."وقال: كان فيه دهاء وحزم وجرأة وعزم، وإقدام ورئاسة، ووقوف تام على أحوال السياسة، وتفرس في الأمور..".
ولعل هذه الصفات الخلقية والخلقية، كانت المعين الذي مَدّه بالقدرة الفائقة على العمل، وساعده على تحمل المشاق ومغالبة الصعاب، مدة نصف قرن من الزمن ما عراه وهن، ولا أقعده يأس.
لقد عاش رفاعة اثنين وسبعين عامًا، ولكن عطاءه يضاهي عطاء أجيال عدة، لقد أعطى مصر والعرب، مع الحركة الثقافية التي بعثها ورعاها أكثر من ألفي كتاب خلال أربعين عامًا، في حين أن الدولة العثمانية لم تصدر باللغة العربية خلال قرن كامل أكثر من أربعين كتابًا!