فهرس الكتاب

الصفحة 16996 من 23694

إذن فقد قرر رفاعة أن يعيد دور حنين بن اسحق وغيره من النقلة والمترجمين في عصر النهضة العربية الأولى، ولقد أحسن إعادة هذا الدور وأفاض. ولئن كان"بيت الحكمة"في بغداد، أيام الخليفة المأمون وبرعايته محطة بارزة في تاريخ العلم والثقافة عند العرب في القرن التاسع الميلادي، فقد كانت دار الألسن و"قلم الترجمة"بالقاهرة أيام محمد علي وولده وبرعايتهما، محطة بارزة ثانية في تاريخ العلم والثقافة عند العرب في القرن التاسع عشر.

-لقد جمعت بين الرجلين أمور كثيرة، بالإضافة إلى تشابه دورهما في إغناء الثقافة العربية بما نقلاه من ثمرات الثقافات الأجنبية، في حقبتين متباعدتين في الزمن، إلى اللغة العربية.

لقد جمع بين الرجلين طبع أصيل وخلق قويم وموهبة فذة، فكلاهما عرفا بالفطنة والذكاء والألمعية، وفطرا على الإخلاص والوفاء والمودة ومحبة الوطن واللسان العربي، وكان كل منهما جادًا مجدًا، جلودًا صبورًا، يعمل ما وسعه العمل نهارًا وليلًا، ويجد سعادة فيما يعمل، لا يأبه لعناء، ولا يركن لراحة.

لقد اختطا كلاهما طريقًا واحدة وترسّمًا هدفًا واحدًا هو أن ينقلا المعارف والعلوم التي تقدمت لدى الآخرين إلى لغة الضاد وإشاعتها، بترجمات ومؤلفات بين الناطقين بهذه اللغة ليمسكوا بعنانها ويخوضوا عبابها، ويتابعوا السير من حيث انتهى الآخرون.

لقد مارس كلّ منهما الترجمة والتأليف والتصحيح والتدقيق في آن واحد، وعمل كل منهما على إيجاد المقابلات العربية للمصطلحات العلمية المبثوثة في بطون الكتب، اعتمادًا على الطرائق المعروفة في التوليد والمجاز والنحت والتعريب، وكانا كلاهما متمكنين في اللغة العربية حريصين على فصاحة اللفظ وسلامة التركيب وحسن الأداء.

ولقد كانا، قبل كل شيء، يتمتعان بمعرفة موسوعية، وتمكنا من تقديم إنتاج غزير يثير الدهشة والإعجاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت