فهرس الكتاب

الصفحة 16997 من 23694

-ولكن على الرغم من هذا التشابه الشديد بين الرجلين، فثمة تباين في بعض شؤونهما بحكم اختلاف الزمان والمكان.

فقد عاش حنين بن اسحق، في عصر كانت فيه الدولة العربية الإسلامية العباسية ثابتة الأركان، قوية البنيان مبسوطة السلطان، تعتمد منظومة متماسكة من الشرائع والنظم تشمل الحكم والسياسة والإدارة والحياة الاقتصادية والاجتماعية، جعلتها أحسن حالًا وأوفر قدرة من جميع الدول المجاورة، ولذا لم يكن للعرب آنئذ حاجة سوى أن يغترفوا من موقع القدرة والقوة والثقة بالنفس ما تحصل للآخرين من معارف لينطلقوا منها إلى الأبعد والأرقى.

وجاء عمل حنين ملبيًا لهذه الحاجة بالذات، فكان عمله وعمل أمثاله اللبنة الأساسية في البناء المعرفي والثقافي الذي شاده من جاء بعده من العباقرة العرب.

-أما رفاعة الطهطاوي فقد عاش في مصر إبان حكم محمد علي وولده إبراهيم ثم زمن من تلاهما عباس وسعيد وإسماعيل. لقد كانت مصر غارقة، في بداية هذه الحقبة، في التخلف والفقر والجمود والجهل بسبب ما عانت من حكم المماليك والعثمانيين مدة مئات من السنين، ولم تكن حاجتها تقتصر على المعارف والعلوم والآداب التي تقدمت في الغرب الذي اقتبسها من العرب أصلًا، وسار بها قدمًا، وحده، نحو خمسمائة عام، بل كانت تحتاج إلى جانب ذلك، إلى من ينهضها من ظلمات القرون الوسطى، ويحرك فيها الهمم والعزائم ويرشدها إلى طرائق الزراعة والصناعة والتجارة المستحدثة، ويفتح لها سبل التقدم بإنشاء المدارس ودور العلم المختلفة، علمًا بأنها كانت ما تزال هدفًا لتسلط العثمانيين وطمع الإنكليز وتآمر المماليك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت