فهرس الكتاب

الصفحة 16998 من 23694

ولكن الذي حصل، أنه إبان حملة بونابرت على مصر، وعلى الرغم من الأغراض الاستعمارية لهذه الحملة، قد امتد جسر بين طرفي المتوسط، بين مصر وما وراءها من بلدان الشرق العربي، وبين فرنسا التي كانت قد جازت، قبل الحملة، ثورة دامية عارمة ضد النظام الملكي الاستبدادي والسيطرة الإقطاعية وامتيازات ملاكي الأراضي وكبار رجال الدين، ورفعت شعاراتها المعروفة: الحرية والمساواة والإخاء.

وعلى هذا الجسر عبرت طوائف من العلماء والأدباء والباحثين الفرنسيين إلى مصر، إبان الحملة وبعدها، فأحدثت في البحر الساجي الراكد حركة، وفي العقول الغافية صدمة، وفي العيون المغلقة يقظة، ثم عبر على هذا الجسر طوائف من شبان مصر النابهين إلى فرنسا وإلى باريس بخاصة، بقصد طلب العلم والعرفان ونقل ما أمكن من ثمراتهما إلى مصر، واستكشاف السبل إلى النهوض بمصر إلى مراقي العزة والعمران.

وكان رفاعة واحدًا من هؤلاء الشبان الذين أوفدهم حاكم مصر إلى باريس للدراسة. لقد عاين رفاعة كل شيء، وتعرف نخبة من رجال العلم والأدب والفن، وقرأ روائع فكرية وأدبية، وشاهد أبناء الشعب في حراكهم المعاشي والاجتماعي، وعرف أفكارهم ومعتقداتهم وتقاليدهم وعاداتهم. لقد فعل ذلك كله من خلال شخصه الذي هو صوغ نشأته الدينية الإسلامية والثقافة الأزهرية التي تمكن منها، فالتقى في ذهنه الشرق والغرب والشريعة والقانون، واجتمعت في مخيلته صور التخلف والتقدم، والفقر والغنى، فحاول أن يخرج من هذا كله بتصور جامع لكل ما يجده حسنًا لمصر ومفيدًا لشعبها.. تصور يوفق بين ما يراه حقًا وحقيقة في الشرق وما يراه نافعًا وناجحًا في الغرب.

وهذا التصور لم يدعه رفاعة حبيسًا في نفسه، بل سجّله وبينّه وشرحه وأخرجه للناس والحكام، فكان له في كل أمر موقف وفي كل قضية رأي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت