(هـ) الكناية: ينص على الكناية في أكثر من موضع، والفعل كنى يستعمله بمعناه اللغوي أي أخفى أو أضمر، واستعماله للكلمة في الدلالة على فن من فنون الأسلوب، قريب من استعمال البلاغيين للدلالة على الاصطلاح البلاغي المعروف (الكناية) . مثل قوله في الآية: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ( [البقرة: 2/223] كناية وتشبيه، وفي قوله: (أَوْ عَلَىْ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِط( [النساء: 4/43] كناية عن إظهار لفظ قضاء الحاجة من البطن، وكذلك قوله تبارك وتعالى: (أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّساءَ( [النساء: 4/43] كناية عن الغشيان، وكذلك -سوءاتهما- كناية عن فروجهما، وهذه كلها قريبة من الاستعمال البلاغي.
ويتعرض أبو عبيدة لنكت عامة في الأسلوب تأتي عرضًا في تفسيره، فيعرض للإيجاز والإطناب، ويشير إلى ما في بعض الآيات من الحذف، وما فيها من الزيادة، ومن الفنون البلاغية الأخرى التي التفت إليها، واعتبرها من المجاز (الالتفات) ويذكره في المقدمة. فيقول: ومن مجاز ما جاءت مخاطبته مخاطبة الشاهد ثم تركت وحولت هذه إلى مخاطبة الغائب، قوله تعالى: (حتى إِذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ( [يونس: 10/22] أي بكم. والأمثلة على ذلك كثيرة في كتاب مجاز القرآن.
هذا بعض ما تنطوي عليه مرامي كلمة مجاز في كتاب أبي عبيدة، وهذه المعاني السابقة غالبة على غيرها من الاستعمالات، وخاصة استعمالها في معنى -تفسير- وقد تأتي بهذا المعنى في أحوال غير قليلة، كما يفسر قوله تعالى: (وَ لاَطَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالَكُمْ( [الأنعام: 6/38] قال: مجازه إلا أجناس، وقوله تعالى: (ما فَرَّطْنَا في الكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ( [الأنعام: 6/38] قال: مجازه ما تركنا ولا ضيعنا(7) .