فهرس الكتاب

الصفحة 17089 من 23694

كان الشعر أوفر حظًا من النثر عند النحاة، بل كان المصدر الأول وفرّة، يليه القرآن الكريم، فكلامُ العرب الذي عدّوا الحديث النبوي قسماُ منه، ولم يلتفتوا كثيرًا إلى النثر فاقتصروا على بعض الأقوال السائرة التي جرى قسم منها مجرى الأمثال، وهي مما يسهل حفظه. ولعلّ سبب اهتمامهم بالشعر وإقبالهم عليه أكثر من القرآن - في تلك المرحلة المبكرة- يعود إلى اطمئنانهم إلى بقاء القرآن الكريم محفوظًا بين الصدور والسطور، وأما قلة اعتمادهم على الحديث فلم تكن متعمدة، إذْ شغلهم عنه وفرة الأشعار، والإقبال على الشواهد القرآنية، وأمور أخرى، ولو نقبّوا في مصادره لكثرت شواهدهم منه كثرة جعلته في المرتبة الثانية بعد القرآن الكريم.

لم يبق موقف النحاة من مصادر الاحتجاج على هذه الحال، فقد تفاوت التزامهم بها فيما بعد، وقدموا بعضها على بعضها الآخر في تطبيقاتهم، وكان من أوضح مظاهر هذا الاختلاف موقف ابن مالك الذي كان له في الألفية وعدد من كتبه النحوية الأخرى موقف متميزّ، ساعده في بنائه إطلاعه على لغات العرب، واشتهاره بالرواية، وإتقانه علوم الحديث، مما جعله يكثر من الاعتماد على الحديث كثرة واضحة، ويضعه في المرتبة الثانية بعد القرآن الكريم، وقد أشار إلى ذلك ابن شاكر الكُتْبي (ت764هـ) فقال عنه: (وأما الإطلاع على الحديث فكان فيه غاية، وأكثر ما يستشهد بالقرآن، فإن كان ما فيه شاهدٌ عدلَ إلى الحديث، فإن لم يكن شيء عدلَ إلى أشعار العرب"( [1] ) . وإشارة الكتبي إلى عدوله إلى الحديث لا تعني أنه أورد الكثير منه إذْ إنّ ما أورده قليل جدًا إذا ما قورن بالشعر، وفي عبارته تعميم."

أما شراح الألفية فقد تابعوا الناظم- في الاحتجاج- إلى حدّ كبير، فكان معظم شواهدهم من القرآن الكريم، ثم الشعر، كما كان للحديث نصيب وافر لا يقل عن الشواهد النثرية الأخرى. وكان منهجهم في سوق الشواهد يقوم على:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت