احتج الشرّاح بالقرآن الكريم إذًا، فكان جلُّ اعتمادهم على قراءة حفص ( [14] ) ، وذلك لأنها الأقرب إلى اللغة المشتركة ذات القواعد المطردة، وكانوا في الغالب لا يشيرون إلى نسبتها إلى حفص ولا يسمّونها، مكتفين في ذلك بقولهم:(نحو قوله تعالى، أو كما ورد في قوله تعالى، أو شاهده في
الآية ... )، وتأتي القراءات السبعية وغيرها في المقام الثاني إذ أوردوا كثيرًا منها ونصّوا -في كثير من الأحيان- على أصحابها، ثم تأتي القراءات التي وسموها بالشذوذ -ليس على سبيل الطعن في حُجيتها- وإنما لخروجها على القراءات السبعة التي جمعها ابن مجاهد ( [15] ) في كتابه (السبعة في القراءات) ، وهي ما توافر فيها صحة السند وموافقة العربية، وخالفت رسم المصحف، فقد احتجوا بها في النحو لأنّ منع حجيتها واجب في التلاوة لا في اللغة ( [16] ) .
لقد كانت الآيات القرآنية، وبعض قراءاتها أهم مصادر الشروح في إثبات القواعد التي احتوتها أبواب الألفية وفصولها، فكانوا يؤكدون القاعدة بالشاهد القرآني، فإن أعوزهم بحثوا عن شواهد خرى. وفيما يلي بعض الأمثلة على ذلك:
ذهب الناظم، في باب الإضافة، إلى جواز الفصل بين المضاف الذي هو شِبْه الفعل في العمل -ويراد به المصدر واسم الفاعل- والمضاف إليه، بمعمول المضاف من: مفعول به أو ظرفٍ أو شبهه، فقال ( [17] ) :
[418] فصلَ مضافٍ شِبْه فعلٍ ما نَصَبْ
مفعولًا، أو ظرفًا، أجِزْ، ولم يُعَبْ
[419] فَصْلُ يمينٍ، واضطرارًا وُجِدا
بأجنبيٍّ، أو بنعتٍ، أو نِدا
وتابعه الشراح ( [18] ) ، فاستشهدوا لذلك بقراءة ابن عامر لقوله تعالى: [وكذلك زُيِّنَ لكثير من المشركين قَتلُ أولادَهُمْ شركائهم] ( [19] ) . وقد تبع الناظمُ والشراحُ الكوفيين في ذلك، خلافًا للبصريين الذين رفضوا الفصل وخصّوه بضرورة الشعر ( [20] ) .