فهرس الكتاب
إن ارتباط الشعر بالحياة العامة للعرب منذ القدم جعل بعض القراءات تربط أولية الشعر الجاهلي بالكثير من المحطات الهامة في حياة الأمة العربية في سيرورة تاريخها الطويل، ولاسيما وأنها كانت أمة تقطن في موطن لزمته الكثير من الظواهر الطبيعية وما ينتج عنها من آثار أخلاقية واجتماعية وسياسية، كان على العربي الاهتمام بها أيما اهتمام حتى يوفر لنفسه أسباب البقاء، ومن أهمها الماء والكلأ وخصوبة الأرض، والدفاع عن النفس والحياض.
يشير جواد عليّ إلى أن أولية الجاهلي لا يمكن أن نقر ببدايتها بنحو قرن أو قرنين قبل ظهور الإسلام كما ذهبت إلى ذلك رواية الجاحظ وغيره، ويصف ذلك بالخطل في الرأي، والفساد في الحكم، إذ يؤكد أن"الشعر أقدم من هذا العهد بكثير، وقد أشار المؤرخ (سوزيموس) Zosimus إلى وجود الشعر عند العرب، وهو من رجال القرن الخامس للميلاد، إلى تغني العرب بأشعارهم، وترنيمهم في غزواتهم بها، وفي إشارته إلى الشعر عند العرب دلالة على قدم وجوده عندهم، واشتهاره شهرة بلغت مسامع الأعاجم، فذكره في تاريخه. في سيرة القديس (نيلوس) Nilus المتوفى حوالي سنة 430 بعد الميلاد، أن أعراب طور سيناء كانوا يغنون أغاني وهم يستقون الماء من البئر، ... والأشعار المروية في كتب التواريخ والأدب عن حفر آبار مكة وغيرها من هذا القبيل، فقد روي أن (عبد المطلب) لما حفر بئر (زمزم) ، قالت (خالدة بنت هاشم) :"
في تُرْبَة ذَاتِ غَذَاةٍ سَهْلَه
تُرْوِي الحَجِيجَ زَعْلَةً فَزَعْلَه
وأن عبد شمس قال: ... حَتَّى أَرَى المَجْدَ لَنَا قَدْ تَمَّا. (13)
حَفَرْتُ خَمَّا وَحَفَرْتُ رَمَّا