فهرس الكتاب
قسم ابن خلدون في بداية عمله النقدي والتنظيري المؤرخين العرب المسلمين إلى طبقات ثلاث.. أولاها طبقة الثقات أو الفحول"الذين ذهبوا بفضل الشهرة والأمانة المعتبرة"و"هم قليلون لا يكادون يجاوزون عدد الأنامل" (5) ، كابن اسحق وابن الكلبي والطبري والمسعودي و"غيرهم من المشاهير المتميزين عن الجماهير" (6) . ولكن حتى هؤلاء لا يمكن الاطمئنان تمامًا إليهم، ويجب عدم استبعاد رواياتهم عن النقد الذي يرتكز إلى معيار (العمران) ، حيث يقول ابن خلدون إن"الناقد البصير قسطاس نفسه في تزييفهم فيما ينقلون أو اعتبارهم، فللعمران طبائع في أحواله ترجع إليها الأخبار وتحمل عليها الروايات والآثار" (7) . أما الطبقة الثانية فهي طبقة (المتطفلين) الذين خلطوا أخبار الثقات بدسائس من الباطل وهموا فيها أو ابتدعوا. وزخارف من الروايات المضعفة لفقوها ووضعوها" (8) . والطبقة الثالثة تمثلها بقية المؤرخين الذين اقتفوا آثار المتطفلين، ونقلوا أخبراهم دون نقد وتمحيص، فهم متطفلون على المتطفلين"لم يلاحظوا أسباب الوقائع والأحوال ولم يراعوها. ولا رفضوا ترهات الأحاديث ولا دفعوها. فالتحقيق قليل، وطرف التنقيح في الغالب كليل، والغلط والوهم نسيب للأخبار وخليل، والتقليد عريق في الآدميين وسليل، والتطفل على الفنون عريض وطويل، ومرعى الجهل بين الأنام وخيم وبيل، والحق لا يقاوم سلطانه، والباطل يقذف بشهاب النظر شيطانه، والناقل إنما يملي وينقل، والبصيرة تنقد الصحيح إذا تمقل، والعلم يجلو لها صفحات الصواب ويصقل" (9) ."
أسباب الأخطاء ومعايير التصحيح:
يرجع ابن خلدون الأخطاء التي وقع فيها المؤرخون، والأكاذيب التي تردى فيها بعضهم إلى أسباب وعوامل متعددة، يمكن تصنيفها إلى مجموعات ثلاث، وترتيبها بحسب أهميتها عنده، وهي: