فهرس الكتاب
ثانيًا- غياب الدقة والموضوعية: فالمؤرخ يجب أن يتصف بالدقة، فلا يبالغ في الأخبار حينما يذكرها،"وما ذلك إلا لولوع النفس بالغرائب، وسهولة التجاوز على اللسان"، وأن لا يكون غافلًا بحيث"لا يحاسب نفسه على خطأ و لا عمد، ولا يطالبها بتوسط ولا عدالة، ولا يرجعها إلى بحث وتفتيش، فيرسل عنانه، ويسيم في مراتع الكذب لسانه" (13) . والدقة المفروضة في المؤرخ تقتضي"حسن نظر وتثبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق، وينكبّان به عن المزلات والمغالط، لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل، ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد، والحاضر بالذاهب، فربما لم يؤمن فيها من العثور، ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق. وكثيرًا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل والمغالط في الحكايات والوقائع، لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثًا أو سمينًا، لم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة، والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلوا عن الحق، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط" (14) .
والموضوعية تستوجب قيام المؤرخ بتمحيص النص التاريخي وإخضاعه للنقد، وعدم القيام بهذا العمل يجعل المؤرخ يفهم النص بمنأى عن الموضوعية، وبشكل يتفق مع آرائه وأفكاره الذاتية، ولا يعبر عن المعنى الحقيقي الذي أراده واضع النص، ومن ثم يفضي به ذلك إلى الكذب، بقصد أو بغير قصد، إذ أن من جملة عوامل الكذب"التشيعات للآراء والمذاهب، فإن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقه من التمحيص والنظر حتى تتبين صدقه من كذبه، وإذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهلة، وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين بصيرتها عن الاعتقاد والتمحيص فتقع في قبول الكذب ونقله" (15) .