فهرس الكتاب

الصفحة 17283 من 23694

لابدّ من التساؤل بعد ذلك كله.. ماذا بعد هذا النقد الخلدوني اللاذع للمؤرخين، وهذا البيان لطبيعة أخطائهم وأسبابها، وهذه المعايير التي وضعت لكتابة تاريخ صحيح يتصف بالدقة والموضوعية ويبتعد عن الأكاذيب ويتوقى الأخطاء؟ يتوقع المرء، جوابًا على ذلك، أن يكتب ابن خلدون في (العبر) تاريخًا لا تشوبه المآخذ التي أوردها في (مقدمة) العبر على من كتب التاريخ، بمن فيهم الثقاة بحسب تصنيفه..

-فبعض الثقات من هؤلاء، كالمسعودي والواقدي، في كتبهم"من المطعن والمغمز ماهو معروف عند الأثبات" (22) كما يقول ابن خلدون. ومن ثم فلا يشفع ما أقره هو لهم من شهرة وأمانة معتبرة واختصاص"الكافة... بقبول أخبارهم، واقتفاء سننهم في التصنيف واتباع آثارهم" (23) ، لا يشفع لهم هذا عند من يريد أن يكتب تاريخًا صحيحًا، ويجب على من يرغب في ذلك أن يخضع رواياتهم للنقد ومعاييره الخلدونية.

-أما الباقون فهم بين كاذب ومتوهم وجامع لهاتين الصفتين. فمنهم من يدس الخبر الصحيح بالزائف أو يلفق ويضع الأخبار التي لا أساس لها، أو ينقل ترهات الأخبار والأحاديث دون تحقيق وتنقيح توهمًا وجهلًا منه أو تقليدًا للسابقين. إلا أن الحق واضح ولا يقاوم سلطانه، وهو يفرض نفسه في نهاية الأمر على الباطل الذي يودي شيطانه بلمحات العقل ونظراته الصائبة. وقيام المؤرخ من هؤلاء بمجرد النقل عن الآخرين أمر غير جائز، إذ يجب أن ينقد المنقول ليميز صحيحه من سقيمه، وذلك على أساس من العلم الذي يجلو للبصيرة الصواب ويمهده لها. وكل هذه المعاني جلية في النصوص الخلدونية التي نقلناها آنفًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت