فهرس الكتاب

الصفحة 17285 من 23694

على أن الدكتور محمد عابد الجابري يردّ هذا التناقض الخلدوني بين (المقدمة) و (العبر) إلى عدم صلاحية معيار (العمران) للحكم على الأحداث التاريخية، وهو المعيار النقدي الأهم الذي يرى ابن خلدون أن غيابه عن المؤرخين السابقين له هو الذي أوقعهم في الأخطاء. ذلك أن العمران، حسب ما يراه الجابري، ليس عبارة عن قواعد منهجية، بل هو تفسير لأحداث تاريخية معينة، فهو يعتمد على التاريخ ولا يعتمد التاريخ عليه. ويجب أن تكون الأخبار التاريخية صحيحة لكي نتمكن من خلالها من التعرف على (طبائع العمران) ، وعليه يكون التاريخ الصحيح معيارًا للقواعد السليمة للعمران البشري. وقد أفضى هذا التحليل إلى تخطئة ابن خلدون حينما جعل العمران البشري معيارًا أو مقياسًا تقاس عليه صحة الأحداث التاريخية. وهو الذي أوقعه في التناقض بين التنظير لمعيار العمران في المقدمة وتطبيقه في العبر، إذ لم يستطع ابن خلدون أن يطبق هذا المعيار (المغلوط) على التاريخ الذي دونه، لأن القوانين التي وضعها لعمران لا تنطبق على أحداث تاريخية صحيحة كبرى لا تحتمل التأويل أو التحايل. ولما لم يكن ابن خلدون بقادر على أن يجعل لكل حدث منها قانونًا خاصًا، لأن ذلك يلغي عدم العمران إذ لا علم إلا بالكلّي، فقد لجأ إلى ترك (طبائع العمران) جانبًا وشرع بكتابة التاريخ كما هو، وبالشكل نفسه الذي كتبه به أسلافه من المؤرخين (27) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت