فهرس الكتاب

الصفحة 17288 من 23694

إذا باتت مفارقة التنظير والتطبيق بين المقدمة والتاريخ واضحة ومعروفة بعد أن أشار إليها عديدون ممن محصوا تاريخ ابن خلدون، فإن وجود مثل هذه المفارقة في المقدمة نفسها، حيث يتجاوز التنظير والتطبيق، أمر لم يتضح في دراسات الباحثين في الفكر الخلدوني، فقد أورد ابن خلدون في بداية مقدمته عددًا من الأخبار التاريخية التي استشهد بها كأمثلة على الأخطاء التي وقع فيها معاصروه من المؤرخين، والسابقون له منهم، لأن هؤلاء وأولئك، كما يقرر، لم يلتزموا بمعايير فحص الروايات التاريخية، وفي مقدمتها معيار (العمران) ، ولم يراعوا الدقة والموضوعية وقوانين الطبيعة فيما نقلوه منها. بيد أنه، في تصحيحه لتلك الأخطاء وفي إعادة قراءته لتلك الأخبار والروايات، لم يراع غالبًا القواعد والضوابط النقدية، (العمرانية) والموضوعية والطبيعية، التي نعى في المقدمة نفسها على المؤرخين أنهم لم يلتزموا بها. ولعله يمكن التماس العذر لمفارقة التنظير والتطبيق في تاريخ ابن خلدون دون مقدمته، لأنه، وكما سبق وأشرنا، قد أتم كتابة تاريخه تقريبًا قبل أني شرع بكتابة المقدمة. ولكن مثل هذا العذر لا يمكن أن يساق لتبرير ابتعاد ابن خلدون عن تطبيق معايير كتابة التاريخ الصحيح ونقد الروايات التاريخية مما أثبته في المقدمة على ما أورده من روايات تاريخية فيها. ولكن ذلك لا يعني في الوقت نفسه أن كل معالجات ابن خلدون لتلك الروايات (الخاطئة) كانت بعيدة عن الضوابط والمعايير التي وضعها لكتابة تاريخ صحيح، إذ أن نقده لبعض الروايات كان موفقًا، ومتوافقًا مع تلك الضوابط والمعايير التي قررها، وخاصة ما استند إلى النقد الذي يعتمد معيار (العقل) و (العادة) ، كنقده وفقًا لهذين المعيارين لما أورده المسعودي، وكثير من المؤرخين، عن عدد جيش بني إسرائيل في التيه، وعن وصول التبابعة إلى المغرب الأقصى وبلاد الروم وفارس وما وراء النهر والصين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت