فهرس الكتاب
أقول هذا عن نشوء العربية عامة، أما عن مراحل نشوء الكلم فيها فقد لاحظ الأئمة أن حكاية الصوت إنما تظهر غالبًا في المضاعف، فجل المضاعف في العربية إنما نشأ عن هذه الحكاية، وهو الذي يشعرك بها. وقد بحث علماء العربية هذا منذ العقود الأخيرة من القرن الماضي.
قال الشدياق في (سر الليال) المطبوع عام 1884: (وها أنا ذا أذكر لك بعض الأسباب التي سولت لي أن أعتبر المضاعف أصلا، وأحدها أني رأيت أن معظم اللغة مأخوذ من حكاية صوت أو حكاية صفة، وأن حكاية الصوت إنما تأتي من المضاعف نحو دب ودف ودق وهز وسف وقر) فقد قرر الشدياق باستقراء كثير من الكلم كما فعل سواه أن اللغة إنما ابتنيت بحكاية الصوت أو حكاية الصفة. وأن هذه الحكاية إنما تأتي بالمضاعف. وقد قصد بحكاية الصفة أن تجانس الحروف التي يتألف منها اللفظ بما تتصف به من اللين والترخيم والشدة والتفخيم، الصورة التي يرتسم بها معناه، أو تشاكل، بما تبدو به من النظم والتأليف، الأحداث التي يعبر عنها. قال الشدياق (كقولهم مثلا منمنم أي مزخرف فهو نحو توهم الفرنسيين لفظة مينيم للشيء القليل الوجيز.. وشيء ململم أي مدور مضموم مجمع.. وقولهم امرأة رجراجة أي يترجرج عليها لحمها) . وقد تلتبس حكاية الصفة بحكاية الصوت في ألفاظ كالوسوسة لحديث النفس، والهمس للصوت الخفي.