ونستفيد من طرح ابن عربي لمثال بلقيس، هذه الشخصية القرآنية، لنقول نحن أيضًا: إن نموذج بلقيس مثال على أنه عندما أفسح المجتمع المجال أمام المرأة برزت.. ملكت وحكمت.. ومما يلفت النظر أننا لم نلحظ في القرآن إشارة استنكار أو كراهة لملك المرأة أو حكمها.. وبلقيس ظلت موضوعية وواعية لشروطها وموقعها كسيدة قومها أمام سليمان، وهو من هو في زمنه: فهي أولًا حين رأت عرشها لم تجزم بأنه هو، ولم تنفِ بأنه هو، وقالت:"كأنه هو".. جوابٌ ينسجم في نسبيته مع أكثر فلسفاتنا وموضوعياتنا المعاصرة. وهي ثانيًا حين أسلمت، حافظت على موقعها كأولى في قومها، فلم تنقد لسليمان لتكون تابعة، وبالتالي الرجل الثاني وهي ملكة، فقالت:"أسلمت مع سليمان".. فهذا المثال، ومثال السيدة عائشة ـ رضي اللّه عنها ـ التي وصّى النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين بالأخذ عنها، يزحزحان أطراف الستار عن أهلية المرأة وموضوعيتها ووعيها لشروطها.. ويجعلاننا نؤكد مع ابن عربي، أن الذات الإنسانية واحدة، تستقبل الصفات بحسب طاقاتها الفردية، وتوجهات تربيتها، وتجاربها الحياتية.
الأهلية السياسية:
عندما قال ابن عربي بإمكانية وصول المرأة للخلافة الكونية، أي تكون رأس الدولة الباطنة..، طرح أهليتها السياسية، ليس بالانتخاب الشوري بل بالتعيين الإلهي.. فهي، قد تكون، خليفة الله في أرضه ونائبة رسول اللّه في أمته.. إذن، بمقتضى نص ابن عربي، لا مانع عقلانيًا أو نفسانيًا في أصل فطرتها، ولا عائق في طبيعة حياتها، يمنعانها من الخروج من دائرة خصوصيتها لمباشرة حوائج العالم وأمور الناس.. ونرى أنه لا يقدح في قوله هذا كون رأس الدولة الباطنة مستورًا مصونًا من أعين الخلق، والخليفة الظاهر محور وجود المسلمين الدنيوي.. فهذا أمر يُبحث على مستوى مظهر المرأة وليس أهليتها..