ابن عربي هنا، في نظرته إلى أهلية المرأة، يسترجع ويكمل مسيرة بداياتنا الإسلامية في زمن النبوة والصحابة، حين كانت مشاركة المرأة العلمية والسياسية واضحة معلنة ومباشرة. وأتت عصور الظلم والإظلام، وتراجع دور المرأة الحرة في الحياة العامة أمام دخول الجواري المملوكات ـ بالشراء أو السبي ـ ساحات الفنون وبلاطات السلاطين وسياساتهم. وأدخل هذا معه نمطًا جديدًا من العلاقة غير المتكافئة مكانة بين الرجل والمرأة، بين قويّ مالك حاكم، وبين ضعيف وصولي ماكر، يتوسل بأي نهج ليكون ويستمر، وينشئ شبكة علاقات مصلحة داعمة في غياب عزوة وأهل وعشيرة.
استشهد ابن عربي على مراتب الولاية المفتوحة للمرأة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: النساء شقائق الرجال.
وعندما ننظر إلى مسألة المرأة اليوم، إلى أهليتها العلمية والإدارية السياسية ـ ولا نقصد بالضرورة من الأهلية السياسية أعباء خلافة المسلمين ـ فنحن إنما نستعيد ونحيي من خلال نص إسلامي شامل، هو نص الشيخ الأكبر، أصولنا المنسية الموؤدة تحت وطأة سنين غربّت الإسلام في حضارات تكاد تناقضه في سلّم قيمها. تجعل قيمة الرجل في كونه واصلًا ناجحًا قويًا منتصرًا لا في كونه صادقًا أمينًا شهمًا أبيًا شجاعًا.. لذا، لابدّ من إعادة فتح ملف المرأة والرجل معًا، والتأكيد على أن أهلية الرجل ليست في ذكورته، وإنما في اكتمال صفات الرجولة الإنسانية فيه.
المرأة الإنسان والمرأة الأنثى:
تناولنا في القسم الأول كينونة المرأة كإنسان، ورأيناها تدخل عالم الروح، وتؤكّد أهليتها لتمارس العلم والحكم في الغيب والشهادة.. وتوضحت رؤية ابن عربي للكمال الإنساني ـ المتاح بعد ختم النبوة ـ على أنه واحد مفتوح للرجل والمرأة، وإن كانت الالتماعات الذكورية في النص تجعلنا نشعر أن المرأة في هذا المجال لم تفعل سوى أنها دخلت حقل الرجل، وشاطرته كماله الذكوري، إن أمكن التعبير.