أما في هذا القسم الثاني فسوف نبحث كينونة المرأة كأنثى، لنتعرف على خصوصية الكمال الأنثوي ورتبة الأنوثة، في مقابل الكمال الذكوري ورتبة الذكورة. ونرى في المقابل هنا، كيف يدخل الرجل حقل المرأة ليشاطرها أنثويتها ويتحقق برتبتها.. فلكل رتبة وجودية كمالها الذي هو عين استقامتها على صراط حقيقتها الخاصة، من منظور ابن عربي.
وجريًا على منهجنا في قراءة ابن عربي، على أنه هو هو على مستوى الفكر والوجود، سنداخل بين أفكاره حول المرأة وبين سلوكه تجاهها وعلاقته بها، حتى تتوضح أبعاد رؤيته لها، في البُنى المتعددة التي هي جزء منها، وتمارس فيها دورًا ووظيفة.
ونحصر كلامنا بالعلاقتين الأهم بين الرجل والمرأة، واللتين تكرسهما عمليتان هامتان في تاريخ الوجود، بل يقوم عليهما الوجود، هما: عملية الخلق والإيجاد، وعملية التوالد والتكاثر؛ حيث تظهر مع العملية الأولى المرأة ـ المكمل الوجودي للرجل، وتظهر مع العملية الثانية المرأة ـ المنفعل الوجودي للرجل.
1 ـ المرأة ـ الآخر، المكمل الوجودي:
استوحش في الجنّة آدم، أول هذا الجنس الإنساني، إذ لم يجد من يسكن إليه، لأن الأنس لا يكون إلاّ بالجنس، تبعًا لتصورات الشيخ الأكبر..
وخلق اللّه حواء، أوجدها من آدم.. فارقت بدنه وهي قطعة منه، فظل حنينه إليها ـ طوال أجيال الرجال ـ حنين الكل إلى جزئه المكمل لوجوده، وظل حنينها إليه ـ طوال أجيال النساء ـ حنين الغريب المفارق لوطنه.
قبل ابن عربي وُظِّف خَلْق المرأة من الرجل، في مجال العلاقة بينهما، بتوجهات دونية وتهميشيّة واستعلائية.. ولكن مع ابن عربي عادت رسالة القرآن للظهور، ويمكننا متابعة رؤيته والقول بأن الرجل سيظل يشكو نقصانًا، مالم ترجع المفارقة إلى مكانها من بدن ذاته17-، وستظل المرأة تشكو غربة إن خرجت أو أخرجت وراء حدود أرض رجلها.