يقول في وصفها 18-: عذراء، هيفاء، تقيد النظر، من العابدات العالمات السائحات الزاهدات، شيخة الحرمين، إن أسهبت أتعبت، وإن أوجزت أعجزت، وإن أفصحت أوضحت.. شمس بين العلماء، بستان بين الأدباء.. علمها عملها، عليها مسحة مَلَك وهمّة ملك..
أما كون نمط علاقة ابن عربي بها هو نمط علاقة الكل بجزئه الواحد الفرد، فنستدل عليه من مدلولات ألفاظه نفسها، فهو يقول عنها؛ إنها يتيمة دهرها، بيتها من العين السواد، ومن الصدر الفؤاد، عهدها قديم، وكل اسم يذكره في ديوانه فهو عنها يكني، وكل دار يندبها فدارها يعني...
هذا الموقع الذي تحتله المرأة بكونها الآخر المكمّل الوجودي للرجل، والشريك الوجداني أيضًا، يخضع كما رأينا لمواصفات تكوينية خاصة بالمرأة، راجعة لفطرتها وتربيتها وتوجهاتها؛ والأهم من ذلك لمستوى وعي الرجل، ورتبة عرفانه بمكانة المرأة الوجودية. ونؤكد نص ابن عربي بأن نلاحظ، أنه من آدم لم تُخلق إلا حواء واحدة.
المرأة ـ الآخر، المنفعل الوجودي:
هنا تفارق علاقة الرجل بالمرأة حقل الحضور والوجود للآخر فقط، كما في المكمل الوجودي، لتدخل حقل الفعل والانفعال بغاية التوالد والإنتاج، فهي التوالد لابد من ازدواج الأب والأم بحركة بينهما تؤدي لوجود ثالث، هو الابن...
هنا يقارب ابن عربي المرأة لا من جهة كينونتها الإنسانية، ولا من جهة موقعها من ذات الرجل ووجدانه، بل من جهة كونها الأنثى.. إحدى مراتب الوجود. وهي مرتبة القابلية والانفعال والتأثر.. هي محل الإلقاء والبذر والاستحالات والإيجاد والتكون والظهور، فكل منفعل وقابل للإلقاء والتكون، ومحل للظهور والإيجاد فهو أنثى وإن كان ذكرًا19-.. لذا كل من في الكون أنثى، لأنه محل زرع وحرث، محل بذر وإنتاج.. يقول الشيخ في الفتوحات20-:
فالحمدُ للّهِ مافي الكونِ من رجلِ
إنّا إناثٌ لما فينا يولدهُ
هُمُ الإناثُ وهم نفسي وهم أملي
إن الرجال الذين العرفُ عينّهم