فهرس الكتاب

الصفحة 17379 من 23694

خلق الله العبادَ على صورته ونفخ فيهم من روحه، فحن إليهم واشتاق إلى لقائهم، فهو يحب العباد وهم يحبونه، فالمحبة في أصل الخلق كانت، ولذلك فقد قامت المناسبة بين خلق الله آدمَ وخلق حواءَ منه. فقد ظهر الخالق عينهُ في مخلوقه بالنفخة الأولى، ثم إنه أخذ منه شبيهًا على صورته سماه امرأة فحن إليها آدم حنين الله إلى عباده. ومن هنا وقعت المشابهة بين خلق الله الوجودَ وخلق المرأة من الرجل،"فحن الرجل إلى ربه الذي هو أصله حنين المرأة إليه، فَحبَّبَ إليه ربّهُ النساءَ كما أحبَّ اللهُ من هَو على صورته. فما وقع الحب إلا لمن تكون عنه. وقد كان حبه لمن تكون منه وهو الحق. ولهذا قال"حبُبّ"ولم يقل"أحببتُ"من نفسه لتعلق حبه بربه الذي هو على صورته، حتى في محبته لامرأته، فإنه أحبها بحب الله إياه" (فصوص 1/216) .

فالحب موجود على الدوام وهو في أصل المحبة الإلهية، فالحق دائم المحبة للخلق، والخلق دائم الفناء يدفعه إلى ذلك الحبُ الكامنُ فيه للعودة إلى المصدر الذي نشأ عنه. ولكن المحبةَ الإلهيةَ تصدر من الله إلى العباد، أما من العباد إلى الله فهي تقوم على فضل من الله عز وجل، فالمحبة الإلهية سابقة على محبة العباد. وحب الرجلِ المرأةِ والمرأةِ الرجلَ حب يدفع طرفَيه نحو الكمال الذي هو سبيل العودة إلى أصل النشأة الإلهية. فالمحبة قُدرةٌ وضعها الله في الإنسان يذكره بها بمحبته له، ويدعوه إلى التشبه بالخلق الإلهي، ليكون خليفته على الحقيقة.

يكمل الرجل بالمرأة لأنها منه، تكمل نقصه فيصبح قادرًا على معرفة ذاته على أكمل وجه لمعرفة ربه. ولذلك فإن معرفة الله ترتبط بمعرفة المرأة. وهي تكمل به لأنها تعود إلى وطنها الذي صدرت عنه وعلى صورته وتطمئن به فلا وجود لها إلا به ولذلك فهي مرآة الذات الإلهية يرى الرجل فيها كماله وتكمل هي بكماله.

4-الشهود

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت