فهرس الكتاب
إن المشابهة بين المرأة والطبيعة تقود ابن عربي إلى تفسير قوله تعالى"وللرجال عليهن درجة"البقرة /228. وهو تفسير يعيد إلى الأذهان مرة ثانية تشبيه الصلة بين الحق والخلق بالصلة بين الرجل والمرأة، لأن كلا منهما مظهر الصلة بين الأصل وفرعه. فالمرأة أقل درجة من الرجل، إلا أن هذه الدرجة ليست من جهة الإنسانية التي هي حقيقة جامعة للرجل والمرأة. فالدرجة إنما جاءت من العلاقة بين الأصل والفرع، أو بين الفاعل والمنفعل. فقد خلق الله أدم على صورته، فنزل عن درجة من أنشأه على صورته مع كونه كما تقدم الرجل على المرأة التي خلقها الله من الرجل وعلى صورته، فنزلت عنه درجة مع أنها على صورته. وكذلك تقدم الله على الطبيعة التي صدر عنها آدم في النشأة العنصرية كما تقدم الرجل على المرأة من حيثُ النشأةُ العنصريةُ. (فصوص 1/219) فالخلق الظاهر بصورة الحق أقل درجة من الحق في ذاته، والمرأة الظاهرة بصورة الرجل أقل درجة من الرجل من حيثُ النشأةُ.
وإذا كان الحقُ غنيًا عن الخلق فإن الرجل مع تقدمه على المرأة بحاجة إليها، وهي بحاجة إليه، يحنُّ إليها وتحنّ إليه، وكل منهما يجد كمال وجوده في الآخر. وفي ابتعاده عنه نقصه وفي قربه منه كمالهُ. ولعل ابن عربي أدرك ما قد يقع في الذهن من مفارقة في المشابهة فقال بعد حديثه ذلك:"فتميزت الأعيانُ بالمراتب فأعطى كُلَّ ذي حقّ حقَّه كُلُّ عارفٍ" (فصوص 1/219) . يقول أبو العلا عفيفي:"قد تفهم هذه الجملة بمعنى أن العارف بالله، الواقف على أسرار حقيقة الوجود، يعطي كلا من الحق والخلق حقه، ويميز بينهما.. أي يميز بين ماله وجوب الوجود والغني المطلق عن العالمين، وما له إمكان الوجود والافتقار المطلق. وقد تفهم بمعنى أن العارف يعطي كل موجود من الموجودات نصيبه من الحق كما يعطيه نصيبه من الخلق، أي يدرك في كل موجود أنه حق وخلق معًا: حق من حيث عينه وأصله، وخلق من حيث صورته" (فصوص 2/334) .