فهرس الكتاب
ولا جرم أن هذه الحروف بمعانيها الجنسية العامة قد لوحظت في وضع المفردات الثلاثية فالرباعية فما فوق. فالرباعي لم ينشأ بالنحت كما ذهب إليه بعض الأوائل، وإنما نشأ بزيادة حرف بمعناه إلى آخر الثلاثي، ولم يبق لدلالات حروف الهجاء أثر إلا في تكثير المفردات على النحو الذي ذكرنا. وإذا كان الثلاثي قد أضحى مؤلفًا حرفيًا موحد الدلالة، مفردًا في مفهومه، فإنه كان مركبًا مؤلفًا من وحدات لكل منها دلالة.
هذا وببلوغ حد المقطعين الواحدين وانتهائه بتصحيح الصوت إلى حرفين بصوت واحد، نشأت المعلات الثلاثية، ومنها المثال والأجوف والناقص. وبتصحيح هذه المعلات بحذف صوتها والتضعيف نشأ الثنائي المضاعف، فـ (نبي) صار إلى (نبْ) الثنائي المخفف ثم إلى (نب) المضاعف. و (أبو) صار إلى (أبْ) فـ (أبّ) وشحى أو شيح إلى شحْ فشحّ وهكذا...
وقد لحظ الشدياق الاشتراك في المعنى بين المضاعف والأجوف فجعل الأول متقدمًا في النشوء والثاني رديفًا له. وعندي أن رأي العلايلي في سبق الأجوف (أي المعلّ) أدنى إلى النظر النشوئي من حيث كان الأجوف أقرب إلى الصوتية من المضاعف.
وقد توفر العلايلي على رصد عهد الصوتية فنبه فيه على أمر ذي بال. ذلك أن كل حركة في الكلم كانت تنطق حرفًا من حروف المد، وكانت الكلم تبتدئ بالساكن وتنتهي بالمتحرك. وقدر العلايلي هذا المتحرك أنه (الواو) أو الضمة الممدودة، كما هو شأن الآشورية والبابلية. ولا تزال ثمة موازين تنطق ساكنة الأول وإن بدئت بهمزة قطع كاجفيل واخريط، أو ألف وصل كاسم وابن وامرئ.. واستمر تحريك الآخر وظلت ظاهرة الوقف بالروم (الحركة المتخلسة المائلة إلى الضم) شائعة عند بعض القبائل مطلقة لديها، دالة على سبق التحرك بالواو. وما فتئت اللغة تمر بتجارب حتى انتهت إلى الإعراب فاستوت أكمل ما تكون بنية، وأكثر ما تكون دقة بين اللغات بملابسة اللفظ لمعناه.