فهرس الكتاب

الصفحة 17430 من 23694

ثم انبرى ثانيًا لتحقيق (الفتوحات المكية) على الوجه الذي يرضي الفتوحات وصاحب الفتوحات، فصدر منه سبعة عشر مجلدًا من أصل سبعة وثلاثين، وكل مجلد مقسم أسفارًا، وكل سفر مذيل بالفهارس المعهودة مضافًا إليها فهرسان عامان أحدهما للمصطلحات الفنية والآخر للأفكار والمباحث الرئيسية، وهما معًا بمثابة المفتاح لدراسة مذهب ابن عربي على نحو موضوعي وشامل، فغدا الفتوحات بذلك واضح المحجة بين المعالم، بعد أن كان أشبه بالغابة العذراء التي يضل زائرها بمسالكها اللاحبة، وحراجها الكثة المنيعة كما يقول الدكتور عثمان يحيى رحمه الله.

ولكن قارئ تراث ابن عربي قد يفاجأ باستغلاق المعنى واعتياص العبارة، فيقدم على حذر، ويحجم على ظمأ، وهو يبصر أمامه لغة غير اللغة وبلاغة غير البلاغة، وكأن الشيخ الأكبر كان يحس أن هذه الواردات الإلهية والتنزلات الروحانية والمناسبات العلوية لا يمكن التعبير عنها إلا باختراق مألوف اللغة بدلالاتها المعجمية الموروثة، ومألوف البلاغة بتنويعاتها البيانية المعهودة، فعمد إلى الرمز والإشارة والإيماء، واصطنع لنفسه مصطلحات لا تنوء بعبء معانيه الذوقية وكشوفه الوجدانية، وهو مع ذلك لم يشأ لقارئ نثره وشعره أن تتخطفه الظلمات وأن تشتبه عليه السبل، فنراه يعمد أحيانًا إلى بعض من الشرح وبعض من التفسير، ويوصي قارئه بأن يوجه خواطره إلى الباطن لا إلى الظاهر، فيقول في أول قصيدة من ديوانه (ترجمان الأشواق) :

أو ربوع أو مغان كل ما

طالعات كشموس أو دمى ... أو نساء كاعبات نهَّد

أعلمت أن لصدقي قدما ... صفة قدسية علوية

واطلب الباطن حتى تعلما ... فاصرف الخاطر عن ظاهرها

ولا شك في أن هذه اللغة المستحمة في ينابيع النور ما كانت لتكون عند ابن عربي لولا امتلاكه تلك القوة الإبداعية الخارقة التي هي قوة الخيال، والتي بها تظهر المعاني المخبوءة في صميم الأشياء. يقول الدكتور عبد الكريم اليافي وهو يتحدث عن فنية التعبير عند ابن عربي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت