فهرس الكتاب
وتعدّ الترجمة أحد المقومات الأساسية للتفاعل الثقافي في العصر العباسي، إذ تركت نتائجها الواضحة والبعيدة في عملية بناء الحضارة العربية الإسلامية. وقد أسهم المترجمون إسهامًا عظيمًا في مجال التطور الفكري والتقدّم العلمي الذي تميّز به العصر العبّاسي، في القرنين الثالث والرابع للهجرة. وقد كان هؤلاء النقلة من جنسيات وأديان مختلفة، اجتمعوا على تجسيد هدف عظيم واحد ألا وهو خدمة الرقي والتقدّم الحضاري في ظل الدولة العربية، وذلك بنقل ثقافة وعلوم أمم اليونان والفرس والهند إلى اللغة العربية، فحققوا بذلك أسمى مرحلة من مراحل بناء الحضارة العربية. ولولا الجهود الجبارة في هذا الباب (والتفصيل فيها يطول ويحتاج إلى دراسات مستقلة) ، لما استطاع العرب أن يصلوا إلى الدرجة التي وصلوا إليها إثر قيام حركة الترجمة ونقلهم لتراث وعلوم الحضارات الأخرى إلى العربية. ومن جهة أخرى، فإن معظم هؤلاء المترجمين، لم يكونوا آلة للنقل في ترجماتهم لمصنّفات الأمم الأخرى إلى لغة الضاد كما يزعم بعض الباحثين، بل إنهم كثيرًا ماقاموا بعمل ملّخصات، وتفاسير، وشروح لعدد من الكتب التي قاموا بترجمتها، أضف إلى ذلك تآليفهم الكثيرة جدًا في مختلف فروع المعرفة، فقد اختصّ عددٌ منهم بمعارف علمية وفكرية معيّنة.
والحقيقة أنّ ماقام به هؤلاء المترجمون في هذا المضمار ليس بغريب عليهم فإنّ جلّهم كان من الأطباء والفلاسفة والفلكيين والرياضيين، الذين بلغوا من الشهرة حدًا كبيرًا بفضل ماأنتجته قرائحهم الخصبة في هذه الميادين. وقد تمتع قسمٌ منهم بمكانة علمية رفيعة فوق مكانتهم في الترجمة. فمن حنين بن اسحق الطبيب والفيلسوف، إلى يعقوب بن اسحق الكندي الفيلسوف والرياضي والفلكي.. وثابت بن قره الرياضي والفلكي والفيلسوف، ثم عمر بن الفرخان الطبري الفلكي، وأبو بشر متى بن يونس المنطقي، ويحيى بن عدي المنطقي، وعيسى بن اسحق بن زرعة الفيلسوف وغيرهم وغيرهم.