فهرس الكتاب
وفي إطار بحثنا هذا نودّ الإشارة بصفة خاصّة إلى الامتنان العظيم الذي كان فلاسفة المسلمين يشعرون به نحو اليونان، وإلى تواضعهم الجمّ عندما يتحدثون عن آثارهم الشخصية في الفلسفة. ففلاسفتنا يتفقون جميعًا على أن الحقيقة التي يسعون إليها عن طريق الفلسفة تسمو على الحدود القومية والدينية، ولايهمّهم المصدر الذي جاءت منه. فهذا الفيلسوف العربيّ يعقوب بن اسحق الكندي يصرّح بوضوح شديد أنّه"ومن أوجب الحقّ أن لانذم من كان أحد أسباب منافعنا الصغار الهزيلة، فكيف بالذين هم أكبر أسباب منافعنا العظام الحقيقة الجدية.. وينبغي أن لانستحي من استحسان الحق واقتفاء الحقّ من أين أتى، من الأجناس القاصية عنّا والأمم المباينة لنا، فإنه لا شيء أولى بطالب الحقّ من الحق، وليس ينبغي بخس الحقّ ولا تصغير قائله ولا بالآتي به، ولا أحد بخس الحق، بل كلٌّ يشرّفه الحقّ"46-.
ونشطت الترجمة في عصر الرشيد ووزرائه البرامكة نشاطًا واسعًا، وكان ممّا أذكى جذوتها حينئذ إنشاء"دار الحكمة"أو"بيت الحكمة"وتوظيف طائفة كبيرة من المترجمين بها، ووضْع أسس ناظمة لعمل أقسامها ودوائرها المختلفة، وجلب الكتب إليها من بلاد الغرب (الروم وفق التسمية الدارجة آنذاك) ، وقام على هذه المؤسسة الكبيرة في عهد الرشيد يوحنا بن ماسويه، وكان طبيبًا نسطوريًا من مدرسة جند يسابور، وفيه يقول ابن جلجل:"قلّده الرشيد ترجمة الكتب القديمة الطبية، ممّا وُجد بأنقرة وعمورية وببلاد الروم حين سباها المسلمون، ووضعه أمينًا على الترجمة، ووضع له كتابًا حذّاقًا يكتبون بين يديه"47-. وإضافة إلى ترجماته فإن له مؤلفات كثيرة في الطب وتركيب الأدوية.