فهرس الكتاب
لكنّ موجة الترجمة وتمازج الثقافات وتفاعلها بلغت أوجها وغاية ازدهارها في عهد المأمون، الذي حوّل"بيت الحكمة"إلى مؤسسة متكاملة، بالغة التنظيم والفاعلية، بحيث صارت أشبه بمعهد علمي كبير، وقد ألحق بها مرصده المشهور، الذي عيّن عليه يحيى بن أبي منصور وألحق به طائفة من نابهي الفلكيّين، مثل علي بن عيسى الاسطرلابي ومحمد بن موسى الخوارزمي والعبّاس بن سعيد الجوهري54-. ولم يلبث هذا المرصد أن تحول إلى مدرسة رياضية فلكية كبيرة تخرّج فيها عدد كبير من أشهر الفلكيين العرب.
ولعلّ من مآثر المأمون في مجال رعايته لحركة الترجمة، استغلاله لظروف السلم والحرب في علاقته بالروم في سبيل تحقيق بغيته المنشودة والحصول على أكبر قدر مما خلفه اليونان من تراث وفي المجالات كافّة. يقول ابن النديم:"لما استظهر (غلب) المأمون على ملك الروم كتب إليه يسأله إنفاذ مايختار من العلوم القديمة المخزونة المدّخرة ببلد الروم، فأجاب إلى ذلك بعد امتناع، فأخرج المأمون لذلك جماعة منهم الحجّاج بن مطر وابن البطريق وسلم صاحب بيت الحكمة وغيرهم، فأخذوا مما وجدوا مااختاروا، فلما حملوه إليه أمرهم بنقله، فنقل، وقد قيل إنّ يوحنّا بن ماسويه ممن نفذ إلى بلد الروم"55-. ويقول ابن نباته في ترجمته لسهل بن هرون:"جعله المأمون كاتبًا على خزائن الحكمة وهي كتب الفلاسفة التي نقلت للمأمون من جزيرة قبرص، وذلك أنّ المأمون لما هادن صاحب هذه الجزيرة أرسل إليه يطلب خزانة كتب اليونان، وكانت مجموعة عندهم في بيت لايظهر عليه أحد، فأرسلها إليه، واغتبط بها المأمون، وجعل سهل بن هرون خازنًا لها"56-.