فهرس الكتاب

الصفحة 17491 من 23694

وكل هذه السيول من الترجمة كانت تجري معها سيول أخرى من تراث اليونان والفرس والهند، حتى ليكاد الإنسان يظنّ أنه لم يبق شيء من هذا التراث لم ينقل إلى العربية، سواء منه ما اتصل بالعلوم أو مااتصل بالصناعات أو ما اتصل بالفلسفة والحكمة أو بالعجائب والأسمار والخرافات أو مااتصل بالعقائد والملل والنحل. وكانت كل هذه المعارف والآداب تتجمع في دكاكين الورّاقين (مكتبات ذلك العصر ودور نشر المخطوطات) ، ويطلب كل منها مايجد فيه متاعه.

وكانت الفلسفة اليونانية والمعارف العلمية أعظم ماحملت هذه العلاقات الثقافية، وقد مضى العقل العربي يهضمها ويتمثلها ويضيف إليها إضافات باهرة، والمتكلمون -وعلى رأسهم المعتزلة- هم أهم من تعمقوا في الفلسفة بجميع شعبها ودقائقها، وقد عرضوها على بساط البحث، واستطاعوا أن ينفذوا إلى كثير من النظريات والأفكار التي لم يسبقهم إليها سابق.

وعلى هذا النحو أصبح العقل العربي في العصر العباسي عقلًا متفلسفًا، منفتحًا، كما أصبح عقلًا علميًا، لا من حيث فهمه وفقهه بعلوم الشعوب والحضارات الأخرى، بل أيضًا من حيث إسهامه فيها وإضافاته الجديدة، حتى ليضيف علومًا لأول مرة في تاريخ الحضارة الإنسانية على نحو ما أضاف الخوارزمي علم الجبر. وكان هذا العقل قد أظهر نضجه العلمي وإحكامه لوضع العلوم منذ القرن الثاني للهجرة، ممّا نراه جليًّا في العلوم اللغوية والدينية ومباحث الكلام والتاريخ والطب والفلك والرياضيات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت