فهرس الكتاب
ولعلّ علمًا لم يزدهر في هذا العصر كعلم الكلام، ويراد بالكلام الجدل الديني في الأصول العقيدية لا عند المسلمين وحدهم، بل عند جميع الملل والنحل. وقد مضى كلّ متكلم مدافع عن عقيدة أو مذهب في ذلك العصر يتسلّح في دفاعه بالفلسفة اليونانية ومايتصل بها من منطق وغير منطق، حتى ليقول الجاحظ بهذا الشأن:"ولا يكون المتكلم جامعًا لأقطار الكلام متمكنًا في الصناعة حتى يكون الذي يحسن من كلام الدين في وزن الذي يحسن من كلام الفلسفة"57-.
ومن الناحية العقلية وانتشار الثقافة فقد شهد القرنان الثالث والرابع للهجرة شيوع الفروع العلمية المختلفة التي أقدم العرب على ترجمتها إلى لغتهم العربية، إضافة إلى ماجادت به قرائحهم في كل علم من تلك العلوم. وقد امتزجت في هذا المناخ الحضاري العظيم ثقافات الأمم وعلومها وآدابها امتزاجًا رائعًا في ظلّ خلفاء منفتحين، ومجالس مفتوحة وإخاء اجتماعي لا نظير له. هؤلاء الفرس والهنود يتثقفون الثقافة العربية، وينتجون فيها، وهؤلاء وثنيّو حرّان وسريان العراق وبلاد الشام يغرقون البلاد بالكتب المترجمة عن اليونانية واللاتينية، وهؤلاء الخلفاء يشجّعون الطبّ والفلك والتجريب أولًا لحاجتهم إليها، هذا عدا الفلسفة اليونانية وحكمة الشعوب المختلفة. ونشطت حركة الترجمة من اليونانية إلى السريانية، ومن السريانية إلى العربية نشاطًا هائلًا، حتى إنّ ثبت الكتب المترجمة عن اللغات المختلفة وعن اليونانية خاصة ليأخذ عجبنا، ثم نضجت في القرن الرابع للهجرة الثروتان الفارسية واليونانية، وأخذ العلماء يقبسون منهما ماحلا لهم.